الناشط  ورجل الدولة

 

الناشط كلمة دخلت قاموسنا مُؤخّراً، لتعني ذلك الشخص الذي يُخصِّص جُزءاً كبيراً من وقته وجُهده وكل نفسه لقضيةٍ ما. وغالباً ما تكون من القضايا “الجانبية” إن لم نقُل الهامشية. فأكثر ما تبدّت ظاهرة الناشطين في قضايا مثل قضايا البيئة وحقوق الحيوان ومُعارضة استخدام الطاقة النووية، ومعارضة سياسات الدول الرأسمالية خاصة. والفرق بين الناشط وغيره من الفئات، أن الناشط يركز على الاحتجاج فقط. فهو لا يملك أجندة وبرامج عملية، ووسيلة أو آلية لتنفيذها، سوى التظاهرات والاعتصامات والكتابة والنشر ..إلخ. فالذي يتبنى قضايا العمال ويمثلهم يُسمّى نقابياً، والذي يتبنى قضايا مجتمعه المختلفة وخدماته وتنميته ويحاول الوصول إلى السُّلطة لتنفيذ برنامجه يُسمّى سياسياً، والذي يتفرّغ للبحث العلمي المُؤدِّي إلى حل المُشكلات سواء في البيئة أو الصحة أو الصناعة، يُسمّى عالماً أو باحثاً، وهكذا.

وللنشطاء تأثيرٌ ملموسٌ على الكثير من السياسات والقرارات في العالم، فهم صوتٌ يُعبِّر عن بعض قطاعات المُجتمع، وهم تعبيرٌ عن الغضب والاحتجاج الذي ينبغي أن يجد مُتنفِّساً من خلال ذلك النشاط. وهو عندنا في السودان أصبح مهنةً لجيلٍ كاملٍ من “المُناضلين” الذين وجدوا أنفسهم، في أغلبهم، لاجئين في دول الرفاه الاجتماعي، التي تمنح المُقيم فيها الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، فلا يكون مُحتاجاً أو مُضطراً إلى العمل، فيتفرّغ لقضايا تعطي حياته معنىً وقيمةً، وتعطي بقاءه عاطلاً مُبرّراً يريحه نفسياً. وكل هذا لا مشكلة فيه.

المُشكلة أن يصبح الناشط فجأةً مسؤولاً في موقعٍ متقدمٍ، أو قيادياً في الخدمة العامة. فعقلية الناشط لا يُمكن تغييرها بسهولة بين يومٍ وليلةٍ. فهي عقلية كسولة، تعمل برد الفعل، وتنشط فقط بالطريقة السَّلبية، التي هي مُعارضة الآخرين، وانتقادهم، وربما شتمهم، وهو الغالب.

فإذا تولّى الناشط، مثلاً، موقعاً في اللجنة الشعبية المنوط بها توفير الخدمات في الحي، كالنظافة وإصلاح الطُرق وحماية البيئة، فهو لن يُركِّز على تكوين فرق العمال وتوفير مُعينات وأدوات التنظيف، ولا على حملة للتوعية بأهمية التخلُّص الصحيح من النفايات، ولا على المسح الميداني للطرق لمعرفة مكان الحفر وكيفية إصلاحها وكم تكلف وكيف يُمكن توفير التمويل لذلك.. كلا. فعلى خلاف رجل الدولة، الذي يدرس المُشكلة ويسعى للبحث عن الحلول مع أفراد المُجتمع القاعدي (أهل المصلحة) ومع الفرق المُختصة من العاملين والخُبراء، ثم يقوم بتطبيق الحلول المثلى المُقترحة ومُتابعة مدى نجاحها في الحل، على خلاف ذلك، يظل الناشط يعارض، شفاهةً وكتابةً، الأوساخ والتلوث، ويشتم الذين تسببوا فيها، وقد يخرج في مسيرات احتجاجٍ كبرى، مع حشدٍ من الناشطين والآخرين الذين يقنعونهم بذلك، للتنديد بالنفايات وتدهور البيئة السكنية. وقد يهتم الناشط بجمع بعض الأموال لتسيير لجنته وتوفير سَيّارات لركوب الرئيس والأعضاء، وتوفير الوقود والسّكرتارية، ومكاتب مُكيّفة ومُؤثّثة تأثيثاً جيداً، وقد يُقيمون ورش عمل خارجية تدعمها وتُموِّلها مُنظّمات دولية عن أهمية نظافة البيئة وخُطورة التلوث، وغير ذلك.

الناشط كائنٌ يعيش في الأثير والأسافير. ورجل الدولة يَعيش بين الناس. الناشط يبحث عن مُشكلة لينشط فيها، ورجل الدولة يبحث عن حُلُول لمُشكلات مُجتمعه. الناشط عقلٌ فردي يُسير في اتّجاهٍ واحدٍ مع قطيع النّاشطين الآخرين. ورجل الدولة كائنٌ موضوعيٌّ يبحث عن المُشتركات ويُعدِّل أفكاره وحُلُوله ومشروعاته وفقاً لما يجده من معلومات ومُعطيات واقعية وموضوعية. والناشط يبحث عن شماعة لتحميلها وزر كل شئٍ خطأ، ورجل الدولة يُشمِّر عن ساعديه، قائداً لفريقٍ مُتكاملٍ، ليتصدّى للمُشكلات وحلها، أصاب أم أخطأ.

فهل نحن في دولة الناشطين أم رجال الدولة؟

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى