ما بنمشي لناس ما بشبهونا في القلعة رجعوا يعذبونا

ما بنمشي لناس ما بشبهونا في القلعة رجعوا يعذبونا

صالح الشفيع النيل

ظهرت خلال هذه الحرب اللئيمة المؤسفة مفردات تحمل معان واشارات جديدة، بعد أن كانت هذه المفردات قبل ذلك مجرد كلمات عادية في اللغة العربية والتراث الإنساني السوداني لا تثير الانتباه ولا تلفت النظر في المبنى أو المعنى .. فكلمة مثل كلمة (الشبه) كلمة تطلق دائما” على الأشياء المتماثلة أو المتوافقة “شكلاً أو معنى وموضوعاً أو الأثنين معاً ” مثل:

* يخلق من الشبه أربعين..

* شبهينا واتلاقينا .

* وافق شن طبقة (أي توافقا في الأفكار والطباع)

* الطيور على أشكالها تقع.. (كل يميل فطرياً إلى نوعه)

* من شابه أباه فما ظلم.. أي أن من شابه أباه في الشكل الحسي أو القيم الصالحة كالشجاعة والكرم.. الخ أو العكس فليس عليه لوم أو تثريب فأباه الذي أنجبه يحمل ذات الجينات في دمه.. فشيء طبيعي أن يكون هو كذلك)..

ويحفل القرآن الكريم بالأمثلة التوضيحية والمتشابهات التي لا نريد أن نخوض فيها..

وفي عصرنا هذا وبفضل الهواتف النقّالة (أي نقّالة الصواطة !!) أصبحنا نلاحظ أن كلمة (الشبه) أصبحت تتخذ منحى آخر أقل ما يقال فيه أنها خرجت من سياقها الذي أراده الله تعالى لها إلى معنى آخر ما أنزل الله به من سلطان …!!

فأصبحت الكلمة حمّالة أوجه.. فمثلاً عندما نقول إن فلاناً لا يشبهنا فقطعاً نحن لا نعني الشبه الحسي أو المعنوي المشار إليه أعلاه والمعروف آنفاً.. وإنما يتعداه إلى مفهوم المفاضلة العرقية إن شكلاً أو سلوكاً أو وضعاً اجتماعياً وهلم جرا .. وهذا بالضبط ما ينهانا عنه ديننا الحنيف.. وانتشر هذا المعني الجديد انتشار النار في الهشيم فأصبحت كلمة (لا يشبهنا) تعني شيئاً دونياً لا قيمة له عند البشر..

فمثلاً عندما نقول دون مواربة أو خجل أن النازحين لا يشبهوننا ولا يشبهون موروثنا الثقافي وتاريخنا الناصع .. وأن نطالب بإخراجهم من مناطقنا فهذا لعمري توجه بغيض لا يرضاه الله ولا رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.. وبهذا أصبح تعبير (الشبه) ينضح ويقطر بمفاهيم أخرى ذات رائحة غير محببة ربما لا يدري أبعادها من تلفظ بها بسهولةٍ ويسر على الهواء مباشرة ناسياً بأنه بجلبابه الأبيض الناصع ذاك إنما يهدم قيم الكرم والتواد والتراحم والإيثار والرجولة التي عرف وجبل عليها السودانيون جميعاً في كآفة أنحاء هذا الوطن المعطاء.. وكذلك يقفز هذا التعبير المفخخ فوق الخلق الإلهي والسنن المحمدية ويستبدلها بنشر الحقد والكراهية والتفرقة بين الناس..

قال الله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} سورة التين (٤).. قال الشيخ محمد متولي الشعراوي أن الآية لا يقصد بها الشكل الخارجي للإنسان وانما يقصد بها الميكانزم البشري والوظائف الحيوية للإنسان كالتنفس وضغط الدم والحواس وكل ما من شأنه أن يحفظ حياة وسلامة هذا الكائن المسمى إنساناً.. وهكذا وبناءاً على هذا التفسير يصبح الناس وحدة واحدة في الخلق المادي والمعنوي شكلاً وموضوعاً.. ثم بعد ذلك لكل انسان ما سعى.. اما ان يكون ساعياً للخير وأما ان يكون ساعياً للشر .. فإن اختل التقويم الحسن هذا أصبح اللون والجمال والوسامة الخارجية لا معنى لها .. فما معنى ان تكون وسيماً وأنت سقيم من الداخل؟؟ وما معنى ان تكون جميلاً وأنت بخيل ومؤذياً لخلق الله.

قال الله تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }.. الحجرات (13) .. أي أن القبول عند الله تعالي يتوقف على التقوى أي عمل الخير في الدنيا وليس غير ذلك كان شكلا” أو سحنة أو مالاً وجاهاً وهلم جرا ..

.. وهناك التعارف أو (ما يسمى حديثا” بالتنوع وتلاقح الثقافات Diversity and Cross Cultural Interaction أي كلما تمازجت الثقافات كلما أصبحت البلاد متقدمة وغنية ومشبعة بالأفكار والابتكار والإبداع.. ويأخذ التعليم هنا دوراً قيادياً في نشر ثقافة الحب والسلام والاحترام بين الأجيال.. وما هذه الحرب اللعينة إلا نتاج للجهل والتخلف..

ونحن بالطبع لا ننادي ولا نؤيد احتلال أراضي الغير بالقوة.. فهذا شيء آخر وهو فعل إجرامي يتطلب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاهه.. ولكن النزوح بسبب الحروب والكوارث الطبيعية.. الخ فإنه يفرض نفسه فرضاً على السكان المسالمين فيهربون طلباً للنجاة والسلامة سواءاً داخل البلاد او في دول الجوار أو في الخارج البعيد ..!!

ألا يكفينا يا أخي انفصال جزء عزيز من بلادنا وخسرنا اقتصاده وأهله وموقعه ومعناه، ومع ذلك نسعى بكل جهل وعناد الي فصل باقي الأجزاء متسربلين بدعاوي وهمية لا محل لها من الإعراب ..؟؟؟

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى