في مدح الغلاء

 

والغلاء ليس كله شر. خاصة الغلاء الذي لم يتسبب فيه الاحتكار ولا التخزين ولا سيطرة الدولة على السلعة.فغلاء المنتجات الزراعية والمواشي، مثلا، هو في الحقيقة زيادة لدخل المنتج الحقيقي في بلادنا: المزارع والراعي. ولا يكون الغلاء مذموماً حقاً، إلا إذا كان في سلعة تحتكر الدولة تجارتها، مثل وقود الديزل، الذي تبيعه الدولة بخمسة جنيهات للتر، فيأخذه السماسرة الفاسدون، ويبيعوه لنا بخمسمائة جنيه. فتخسر الدولة، التي تشتريه أصلاً من السوق العالمي بما يعادل مائة وخمسين جنيهاً، ونخسر نحن المواطنين مرتين: مرة بأخذهم حقنا، ومرة أخرى بإعادة بيعه لنا بأعلى الأسعار، هذا عدا عن الندرة والصفوف.

والغلاء مفيد في وقف التهريب. فالسلع المهربة إنما تهرَّب لرخص سعرها عندنا، والعائد الكبير من تهريبها وبيعها في الدول الأخرى. ولا أقصد بالتهريب تلك التسمية الإجرامية العنصرية الظالمة، التي يقصد بها البعض نقل السلع من الخرطوم إلى الولايات الأخرى. وقد أوقفني الشرطي ذات يوم في بوابة الخروج من العاصمة، لأني كنت أحمل معي ثمانية جالون بنزين، وقال لي أن المسموح أربعة جالون فقط، والباقي يعتبر تهريب!!

والغلاء يحد من الهدر الكبير في الموارد. فقبل أزمات الرغيف الحالية، كان من الأمور المعتادة أن تجد في المطبخ أكياساً من الخبز المتعفن والناشف، المتبقي من الأيام السابقة، حيث اعتادت الأسر شراء الخبز بكميات كبيرة لأنها لا تكلف سوى بضع جنيهات لا تكفي لملء “الحقة” تمباكا، ويتركون أغلبه ليوم الغد، وبالطبع فهم لا يأكلون في الغد خبزاً “بائتاً” بل يشترون كمية كبيرة أخرى من الخبز الرخيص الطازج. وتشهد على ذلك مكبات النفايات التي ترتع فيها الأغنام والطيور.

والغلاء،  خاصة في الوقود، سوف يقلل من الحركة المهولة في الطرق، تلك الحركة التي لا تشبها أي زحمة في مدن العالم الكبرى الأخرى.فالعالم كله تزدحم طرقه في ساعة الصباح عند التوجه إلى أماكن العمل، وفي ساعة المساء عند العودة منه. أما عندنا، فجميع ساعات اليوم والليل أصبحت ساعات ذروة.، وأعداد مهولة من الناس تمشي في الأسواق بلا هدي وتسد الطريق وتعطل الحياة. وربما يؤدي غلاء الوقود إلى وقف الهدر الضخم في المال والزمن والموارد، الذي يضيع في المجاملات الاجتماعية، التي يكفي في أدائها مكالمة تلفونية أو رسالة قصيرة. فأكثر من ثلثي المتحركين في الطرق الداخلية للمدن، والطرق السفرية بين الولايات، إنما هم في طريقهم لحضور عزاءٍ أو فرحٍ أو تهنئة قادمٍ من سفر أو عيادة مريضٍ، وغيرها. وأعرف بعض الناس يسافرون إسبوعياً بانتظام، لأداء واجب من الواجبات الاجتماعية. إن تذكرة البص في الرحلات السفرية عندنا أقل كثيراً من تذكرة المترو بين محطتين في بلدان الأسعار الحقيقية. وتكلفة التاكسي في الخرطوم أقل من تكلفة الترام في مدن العالم الأخرى. وهذا ليس شيئاً جيداً كما يظن البعض، بل هو إهدار لموارد الدولة الشحيحة، وتخصيص لها لتشجيع الحوامة والتسكع، بدلاً من تخصيصها لمرتبات العاملين، ولخدمات الطرق والمياه والصحة والتعليم والأمن والكهرباء الخ.

والغلاء سيدفع الناس للسعي في الأرض، ومحاولة الحصول على دخل، أو زيادة الدخل الحالي. فنحن نعلم أن لدينا نسبة عالية جداً من البطالة، خاصة وسط الشباب. وليس ذلك من قلة فرص العمل، بل لوجود عقلية إتكالية تقوم على انتظار الدولة، التي توفر للناس الخبز والوقود والمواصلات، لتوفر لهم أيضاً وظائف مكتبية مريحة، برواتب عالية، ومخصصات متميزة تشمل السيارة والمسكن والسفريات والنثريات والسلع التموينية المجانية. وللأسف فإن كثيراً من الأسر في السودان تعتمد على عائلٍ واحدٍ يكسب العيش، بينما يمتلئ البيت حتى يفيض بالشباب العاطل، يستيقظ عند الظهر ليجد الوجبة الجاهزة، ويقضي يومه يستمتع بالتنقل المجاني والحوامة، أو الجلوس في الظل مستمتعاً بالإنترنت المجانية من هاتف ذكي مجاني، وكلها يوفرها له الشخص العامل الوحيد من العائلة. وهذا وضع إضافة إلى أنه غير مقبول ولا معقول، فهو إهدار لأهم موارد البلاد، وعامل أساسي في تدهورها الاقتصادي، وتخلفها الحضري والاجتماعي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى