نحن وإسرائيل

 

نحن في السودان مُغرمون بالقضايا الكبرى. وإذا لم نجد قضية كُبرى تشغلنا، خلقنا من حَبّة القضايا الصغرى قبةً كبيرةً وعكفنا عليها نطوف حولها ونختصم ونُناضل حتى يفنى آخر واحد منا. لم تشغلنا قضية الثورة. وأعني الثورة الحقيقية، تلك التي تؤدي إلى تغييرٍ كبيرٍ في البلاد، في هيكلتها وتوجُّهها وسلوك شعبها وأولويات حكومتها وهُمُوم مُجتمعها. لم تشغلنا قضية النهضة، ولا الخروج من جُب الفقر والحاجة وانتظار اليد العليا لتجُود علينا باللقمة، ولم تشغلنا قضية تعليم الأجيال، ولا قضية السلام، ولا قضية العدالة والتوازُن بين مُختلف مناطق وأقاليم وولايات وقبائل البلاد، ولم تشغلنا قضية الصحة والنظافة والبيئة والمظهر الحضاري لمُدننا ومُؤسّساتنا. لم تشغلنا قضية الخدمات من مُواصلات وكهرباء ومياه، ولا قضية البنية التحتية كإصلاح الطرق وسكك الحديد والنقل النهري والبحري، ولا قضية مالية الدولة من حيث هيكلة الضرائب وأولويات الصرف. كل ما يشغلنا هو هل العلاقة مع إسرائيل خيانة للدين والوطنية والعُرُوبة، أم هي مصلحة راجحة تُحقِّق لنا ما عجزنا عن تحقيقه بأنفسنا؟

ظلّت العلاقة مع إسرائيل مقطوعة منذ استقلالنا، رغم أنّنا ولدنا بعدها كدولة عُضو في المُجتمع الدولي. وظللنا، اسمياً على الأقل، في حَالة حَربٍ معها. صالحت مصر في عام 1977 وعقدت اتفاقية كامب ديفيد، فأيّدها السودان، وكانت الدولة الوحيدة التي لم تُقاطع مصر، ومع ذلك ظللنا في حَالة حَربٍ مع إسرائيل. ثُمّ اعترفت الدول العربية بإسرائيل بمبادرة عام 1982، وعرضوا عليها مُبادلة الأرض المُحتلة بالسلام، وتمنّعت الدولة اليهودية المُدللّة. ثم جاءوها زرافات ووحداناً يطلبون السلام معها، حتى وقّعت فلسطين نفسها، مُمثلةً في منظمة التحرير، اتفاق أوسلو الشهير، وتصافح الأعداء، وأُنشئت السلطة التي تتكامل مع جارتها إسرائيل في سوق العمل، والتجارة، والكهرباء، والضرائب، وكل شئ. وبقي السودان صامداً في حالة حربه، يشحذ سيفه استعداداً ليومٍ لن يأتي أبداً.

إسرائيل دولة مُعتدية ظالمة. تحتل الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وتتوسّع في مُستوطناتها كل يومٍ. ولكن ما علاقة كل هذا بالتطبيع وإقامة علاقات عادية بين الدول؟ للسُّودان أراضٍ تحتلها دولتان جارتان، فهل قطع علاقاته بهما؟ إنّ ميانمار دولة مُعتدية ظَالمة، بما تفعله بالمُسلمين الروهينقا، والصين دولة مُعتدية ظالمة، بقهرها الذي لا يشبه إلا مُعسكرات الشيوعيين في سابيريا في عهد ستالين، للمُسلمين الأويقور. وأمريكا نفسها دولة ظالمة، وقد قتلت من إخواننا المُسلمين المدنيين في العراق والصومال وأفغانستان، أكثر مِمّا قتلت إسرائيل في كل حروبها، فهل قطعنا معها العلاقات؟

إقامة علاقات مع إسرائيل لن تُفيد السودان في اقتصاده ومَعيشته، ولن تُؤدِّي أوتوماتيكياً إلى رفع العُقُوبات الأمريكية، ولن تنقل لنا أسرار صناعة الأسلحة، ولا التقنية الزراعية المُتطوِّرة في إسرائيل، ولكنها ستغلق باب هذه الحرب الوحيدة المُعلنة منذ الاستقلال، وستجعل إسرائيل إحدى دول العالم، مُجرّد دولة صغيرة وعادية، وليست دولة سيوبر، نستطيع على الأقل أن نستدعي سفيرها لنوبِّخه كلما قتلت فلسطينياً أو أقامت مُستوطنة. ونستطيع، في الإطار العربي الكبير، أن نتفاوض معها على حلٍّ، كما فعلت منظمة التحرير، لقضية الاحتلال، وقضية الجوار الآمن المُتعاون.

ولكن أهم إنجاز عند التطبيع مع إسرائيل، هو أن نغلق باب هذه القضية الصّغيرة المُزعجة، ليتفرّغ السودان وشعبه للقضايا الكُبرى حقاً، وللجهاد الأكبر حقاً: جهاد النفس السودانية، الأَمّارة بالنِّزاعات والصِّراعات وتبني القضايا الخَاسِرَة، والهُرُوب من مُواجهة النفس والمُستقبل والأسئلة الكبرى.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى