مياه القضارف.. تجاوز حدود الاحتمال

العطش في الخريف.. وتفاقم الأزمة مستمر
غضب الشارع أحرق مكاتب الهيئة أيام ثورة ديسمبر،
“باقة” الماء بعشرين جنيهاً في حاضرة الولاية.. ولا وجود لحلول.
منذ اندلاع ثورة ديسمبر اتجهت أنظار المواطنين والشارع العام بولاية القضارف نحو الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري وعُلّقت آمال عريضة لإنهاء الأزمة التي تطلع أهل القضارف لإيقاف إعادة انتاجها فالأزمة تجاوزت حدود الاحتمال وتكرار المشهد طوال فصول السنة مصحوباً بسياسة الهروب من الواقع والتسويف بمشروع الحل الجذري لمياه الولاية لم يبارح مكانه ما جعل الشارع يصب جام غضبه بحرق مكاتب إدارة هيئة مياه المدن التابعة لوزارة البنى التحتية (التخطيط العمراني) سابقاً إبان اندلاع احتجاجات ثورة ديسمبر، وقراءة الواقع تشير إلى أن طي الملف ما زال بعيد المنال وتأويلات متباينة وعلامات استفهام حوله ويرجح فشل إتمام ما تبقى من المشروع خلال 2020م حتى بات من الصعب التكهن بزمن اتمام المشروع الذي ظل يراود أحلام المواطن منذ تسعينيات القرن الماضي.
في قراءة سليمة للمشكلة أفرد الوالي السابق كرم الله عباس الشيخ وزارة أسماها وزارة المياه لمواجهة حجم المشكلة بالولاية والاعتراف بالمشكلة لمواجهتها.

القضارف: أنس عبد الرحمن

مدخل
عقب الشروع في تنفيذ سدي نهري أعالي عطبرة وسيتيت أقنعت حكومة ولاية القضارف وحدة تنفيذ السدود بإنشاء مضرب لمعالجة المياه من جسم بحيرة السد ومحطة معالجة للمياه ومحطة المضخات الوسطى بجانب خزان علوي سعة ( 10) آل ف متر مكعب بجبل الشميلياب وخط أنابيب ناقل بطول 70 كم وشبكة داخلية بطول 526 كم لتغذية مشروع الحل الجذري لمياه القضارف والذي تم التوقيع عليه بين وحدة تنفيذ السدود والشركة الصينية بقيمة (120) مليون دولار لتوفير 150 ألف متر مكعب من المياه يوميًا بهدف انتشال الولاية من براثن العطش الذي ظل يضيق الخناق على أهالي الولاية ويدفع المواطن البسيط فاتورة باهظة خلال فصول السنة، وقد تم إنشاء مأخذ من السد بطاقة 75 ألف متر مكعب في اليوم وفق تمويل ثلاثي ولائي واتحادي وعبر المصارف والمسؤولية الاجتماعية، وقُسّم المشروع لقطاعات ثلاثة، الأول تنفذه شركة طيبة بتمويل من بنك النيل، بينما الثاني يمول من مصرف المزارع التجاري وتتولاه شركة (إم إم سي)، فيما تعاقدت الولاية مع شركة (ايربا) للقطاع الثالث، وتم تمديد الموعد المضروب للانتهاء من المشروع الحيوي مرات عدة دون جدوى ولا التزام بالمواعيد ولا عمر المشروع وظل الشارع العام ببلدية القضارف حاضرة الولاية يترقب في وجل إتمام الفرحة في معاناة وقسوة، فبلدية القضارف تضم ما يزيد عن ( 106 ) أحياء تعتمد كلياً في حاجتها اليومية من المياه على الشبكة والآبار بصورة كاملة.
وعزا الكثيرون التماطل والتباطؤ في انهاء المشروع إلى الزيادة الكبيرة في تقديراته المالية الأولية، وبسبب التضخم والتي بلغت ما يزيد عن الترليون بعد عشرة أعوام من عمر المشروع الذي بدأت دراساته الأولية إبان تولي كرم الله عباس الشيخ زمام الولاية، وتولي المهندس عبد الله الريح مسؤولية وزارة المياه بالولاية، وتقرر يونيو من العام 2017 م كحد أقصى في حكومة الراحل المهندس ميرغني صالح، وحتى كتابة هذا التحقيق لا يعلم أحد متى يتم الفراغ من هذا المشروع الذي يعتبره أهل مدينة القضارف المشروع الأول لهم.
حاجة المدينة للمياه
تستهلك حاضرة الولاية 45 ألف متر مكعب من المياه يومياً تقريباً وتنتج محطة الشواك 13 ألف متر مكعب يومياً والآبار حوالي 10 آلاف متر مكعب، وبحسب دراسة علمية أجريت في العام 1992م أن 25% من سكان الولاية يحصلون على مياه الشرب من الشبكات والمحطات و17% من الحفائر و 20% من الآبار و6% من الأنهار، بينما من مصادر أخرى 23% رغم غزارة الأمطار التي متوسطها 9000 ملم، وتوفر الأنهار نسبة كبيرة من المياه في الولاية، إلا أن أجزاء كبيرة من القضارف تعاني شح المياه في فصل الصيف حتى بلغ منها وجود مثلث العطش بإحدى محلياتها.
حل جذري
مشروع الحل الجذري يوفر 75 ألف متر مكعب من المياه كمرحلة أولية يومياً من مأخذ (1) من جسم بحيرة سدي أعالي نهري عطبرة وسيتيت تكفي حاجة المدينة من المياه الصالحة لشرب الإنسان والحيوان، وبعد دخول المأخذ (2) من نفس البحيرة تصل طاقة الإمداد المائي لـ 150 ألف متر مكعب تكفي حاجة مدينة القضارف حاضرة الولاية للخمسين سنة القادمة، إضافة لمد بعض قرى محلية وسط القضارف ومحلية القلابات الغربية وفق دراسات المشروع.
عقبات ومعوقات
واجه المشروع مشاكل وعثرات مالية تسببت في تأخر دفعيات المقاولين منذ لحظة ميلاده وتأخر الإجراءات البنكية لإحدى الشركات الممولة منذ شهر مايو ونوفمبر من العام 2016م على حساب الجدول الزمني المحدد للمشروع ومشاكل فنية صاحبت تنفيذ الشبكة الداخلية من فتح المسارات وإزالة المخالفات وطبوغرافية الأرض شكلت حجر عثرة أمام أعمال الحفريات حيث لم تتجاوز أعمال الحفريات الـ 30 متراً بدلاً عن 500 إلى 600 متر كان متوقع تنفيذها بسبب الصخور ومشاكل الإزالة، بجانب أن المخطط الأول للمواسير 4 بوصة لم تكن محسومة، ما أدى الى زيادة الأطوال، فكانت 474 كم زادت الى 526 كم بجانب أزمة الوقود والسيولة وندرة الكاش وارتفاع الأسعار التي برزت خلال الثلاث سنوات الأخيرة من أكبر العقبات التي ساهمت في خروج معظم الشركات العاملة في الحفريات، غير أن السعر المتفق عليه مسبقًا (45 ) جنيهاً للمتر لا يغطي كلفة أجرة الحفار التي تبلغ (10) آلاف جنيه في اليوم، ولا يتجاوز طول حفريات بعض الشركات 30 متراً في اليوم، ما أدى لخروج شركة (شروني، المنصوري، بلاك دايموند، الفارعة، ويلز، المسدار و غيرها) وإحلالها بشركات من الباطن وفق الخطاب الصادر من المصارف الممولة لهيئة المياه المقاول الرئيسي للمشروع، إضافة لإيقاف عمليات التمويل للمشروع من قبل البنك الإسلامي بجدة، ما أدى لانسحاب الشركة الصينية المنفذة بعد عجز وزارة المالية عن سداد الدفعيات المالية للشركة علاوة على عدد من العقبات التي صاحبت فترة التوقف والاعتداء على عدد من المنشآت والملحقات الخاصة بالمشروع.
زيارة الوالي المدني
طالب والي القضارف دكتور سليمان علي محمد موسى، وزارة المالية الاتحادية بضرورة الإيفاء بسداد مديونية الشركة الصينية لإكمال المشروع، واستمع سليمان للمعوقات التي أوقفت العمل من المهندس المقيم للمشروع، متعهداً بإتمام المراحل المتبقية من المشروع، الذي قال عنه أنه يأتي في سلم أولويات حكومته، وأعرب عن أمله في التزام المركز بإنفاذ تعهداته المالية لتمكين الشركة المنفذة لاستئناف العمل بالمشروع عقب فصل الخريف.

المكون المحلي
وفي وقت سابق كشف والي القضارف المكلف اللواء نصرالدين عبد القيوم أحمد علي (للصيحة) في مقابلة مطلع هذا العام إبان توليه أمر التكليف قبل تسليم الولاية للوالي المدني دكتور سليمان أن عدم دفع وزارة المالية الاتحادية المكون المحلي للصناديق العربية الممولة لمشروع سدي نهري عطبرة وسيتيت في السابق تسبب بصورة مباشرة في تأخر إنهاء المشروع بسبب الأحداث الأخيرة، وقال إن ما تم تنفيذه خلال الفترة الأخيرة يعد عملاً ممتازاً وأن العمل فيه بلغ نسبة 88% وقطعت مدير التنمية بوزارة المالية ولاية القضارف آسيا عبد الله أن ما نسبته 92% من احتياجات المشروع إما بباطن الارض أو داخل المخازن حتى أبريل من العام 2019م وذهبت إلى أن المشروع كانت تقديراته الأولية الكلية لم تتجاوز 250 مليون دلار وبلغت الآن حتي 2019 /12/31 مبلغ 1،219،142،798 بسبب التضخم وتأخر الانتهاء من المشروع.
أزمة في الخريف
رغم الاجتهاد في جدولة برمجة توزيع انسياب وتدفق الإمداد المائي لأحياء البلدية، إلا أن الأعطال التي تسببها الكسورات في الخط الناقل القديم من مدينة الشواك والشبكة الداخلية القديمة بالبلدية وتراكم الطمي بمحطة الشواك تسبب في خلق أزمة لمياه الشرب في خريف هذا العام، وقال المواطن أحمد النور إن الأحياء الغربية ذات الكثافة السكانية قال إنها تشهد أزمة حادة حتى في فصل الخريف وتشتد بعد انقطاع هطول الأمطار ليوم واحد فقط.
الموقف الآن
رغم اعتماد هيئة مياه القصارف لجدول إمداد يومي لمياه الشبكة للأحياء داخل البلدية ونشره بالوسائل المختلفة في خطوة استحسنها البعض واعتبرها شفافية، إلا أن كثيرا من الأحياء تعاني الحصول على المياه هذه الأيام، وتنتشر صفوف (الكارو) بتلك الأحياء بآبار التحلية في الاكتوبرات والجنينة والامتداد بصفة دائمة ويومية منذ العصر إلى الساعات الأولى من اليوم التالي، بجانب البراميل والأواني (الباقات) في جنبات آبار التحلية والخزانات الأرضية الضخمة في صورة مأساوية للنساء والأطفال داخل أحياء مدينة القضارف ومشروعها قاب قوسين أو أدنى بجانب أحياء سلامة البي والصداقة والصحافة والتضامن والبان جديد وحي أبكر جبريل.

تجدد الأزمة
تجددت أزمة مياه الشرب بمدينة القضارف كما هو معهود على مدار السنين وزاد من وطأتها وساهمت برمجة قطوعات الكهرباء خلال الأسابيع الماضية واستغل اصحاب (الكارو) الموقف، حيث بلغ جوز المياه 20 جنيهاً لممارسة زيادة حدة المعاناة والضغوط على المواطن البسيط.
حلول إسعافية
ظلت الولاية في حالة ضغط وإرهاق لإيجاد الحلول الإسعافية في كل عام وتكرار المشهد مع اقتراب الصيف وتجاوز الاحتمال ابتداء من منتصف مارس إلى يونيو رغم تعاقب الولاة الذين سعى البعض منهم جاهدًا لإنهاء الأزمة، بيد أن ثمة متاريس بالمركز حالت دون سعيهم والبعض الآخر دغدغ مشاعر الشارع بالوعود السياسية التي قطعت الشك باليقين بأنها بالونات اختبار ومحاولة لاستمالة وتعاطف الشارع مع السلطات ليس إلا، فظلت المناداة برفع كفاءة التشغيل بمحطة الشواك وزيادة الإنتاج بمحطات المياه الجوفية وزيادة الآبار وصيانتها وزيادة أحواض الترسيب في مصدر المياه الرئيسي للقضارف بالشواك بجانب زيادة عدد الفلاتر الرملية وتقليل الفاقد بالشبكة.
أخطاء فادحة
ذكر مصدر مقرب أن وزارة البنى التحتية وقعت في خطأ فادح في تصميم منهولات 4 بوصة الأمر الذي حدا بالاستشاري لعدم استلام تلك المنهولات لاستحالة الصيانة حال حدوث أي مشكلة في المستقبل بالخط بجانب غياب المتابعة الدقيقة من قبل جهات الاختصاص لأعمال الشركات المنفذة لأعمال الشبكة الداخلية والإهمال الواضح الذي لازم مواسير خطوط الشبكة بالأحياء حتى جرفت الخيران الكثير منها خريف 2017م ومازالت بعض المواسير مهملة بالقرب من كبري حي الناظر القديم متذ ذلك التاريخ دون محاسبة للشركة المسؤولة عن الموقع.
تجميد حساب
وذكرت مدير التنمية بوزارة المالية أن حساب المسؤولية الاجتماعية ببنك السودان والذي يضم في توقيعاته اثنين من الشعبيين (كرم الله عباس الشيخ وحامد يوسف عبد اللطيف) بجانب وزيري المالية والرعاية الاجتماعية تم تجميده.

 

مناشدة
ناشد مواطنو الولاية الحكومة الانتقالية ووزارة المالية ووالي الولاية دكتور سليمان موسى بإعطاء مشروع الحل الجذري لمياه الولاية الأولوية القصوى ودفع المكون المحلي وترك الحلول الإسعافية جانباً والعمل بجد لتوفير مياه الشرب لإنهاء معاناة أهل القضارف دون رجعة والاستفادة من المجهود الشعبي الذي لم ينقطع من الخيرين من أبناء الولاية في دعم مشروعات السقيا للمواطنين، وتوسيع المواعين لمد مختلف الأحياء التي تعاني من عدم توفر الإمداد والاستفادة من ناقلات المياه من التناكر الحكومية (البلدية والزكاة والدفاع المدني) لمساعدة المواطنين بفصل الصيف وتوفير المياه لرفع المعاناة عنهم.

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!