تدخين البنات في الشارع العام..ظاهرة  أم سلوك؟

 

الخرطوم: انتصار فضل الله   8 سبتمبر2022م

 

تلاحظ في الآونة الأخيرة بروز سلوك في شوارع الخرطوم استغربه الكثيرون،  تمثل في تدخين بعض “البنات” في  الهواء الطلق وسط المارة.

هذا السلوك بات يطفو على السطح بصورة ملفتة للأنظار ومتزايدة، خاصة في شارع النيل “الخرطوم وأم درمان”  وغيرهما من رقعة انتشار بائعات الشاي.

(الصيحة) وقفت على السلوك والتقت العديد من المتحدثين وبحثت حول الأسباب والتداعيات والمعالجات.. وإليكم التفاصيل في هذه المساحة.

 

حرية شخصية

قبل أيام لفت نظر (الصيحة) تحلُّق مجموعة من طلاب وطالبات جامعيين  حول بائعة شاي في شارع البلدية بالخرطوم وهم يتبادلون صناديق “علب”  السجائر و”الولاعة “، قامت إحدى الطالبات بإشعال سجارتها بجرأة ومن ثم استخدمت سجارتها وأشعلت للبقية.

تدرس المجموعة – التي كانت تجلس على مقاعد ” بنابر” تحت شجرة ظليلة – في أكاديمية تقع وسط الخرطوم عرفت بالزي الذي يميِّزها، تتوسط الجلسة طالبة تدرس طب، لكنها ترتدي زياً مختلفاً اتضح ذلك من خلال “اللابكود الأبيض” ويبدو أنها تنتسب لجامعة أخرى، هذه تحديداً كانت تدخِّن من خلال “شيشة” صغيرة كانت تحملها في يدها.

آثار المنظر حفيظة بعض المارة منهم من هز رأسه متعجباً وهناك من ثرثر بالقول “ياها المدنية الدايرنها”، وآخرين قالوا على التعليم السلام، بينما البعض لم يولِ الأمر اهتماماً.

ظلت (الصيحة) تراغب ردود فعل من بالمكان جيِّداً، ومن خلال تجاذب الحديث مع بائعة الشاي نفسها اتضح أن إحدى الطالبات هي من تقوم بشراء (السجائر) لأصدقائها بصفة يومية وهناك نوع معروف صنع خصيصاً للبنات،  وذكرت  بأن المجموعة زبائن مداومين يأتون لتناول “القهوة والشاي” باستمرار ولم يحدث أن تدخلت في شؤونهم أو تقديم النصح للفتيات، لأنهن على يقين بأن ما يقمن به حرية شخصية ولا يجوز لأحد التدخل.

حرية ورضاء

الطالبة “ن”  واحدة من المجموعة المشار إليها سابقاً، تمكَّنت “الصيحة” من التحدث معها لمعرفة الأسباب التي جعلتها تتعاطى “السجائر” ولماذا تناوله في الشارع العام، قالت: إنها تتمتع بحرية مطلقة منحتها لها الأسرة، لذلك تسعى لتلبية رغباتها دون اكتراث لقيود ونظرة المجتمع.

أبانت “ن”، أنها تتعاطى الشيشة منذ المرحلة الثانوية وهو أمر طبيعي لا حياء أو حرج فيه، كما أن السجائر غير مسكِّر ولا يتسبب في فقدان الوعي بالتالي تؤكد عدم وجود حرمة في تناوله بالنسبة  للمرأة عموماً، وأشارت إلى الكثير من الدول تمتلك مصانع لتصنيع “التبغ” وتهتم بالتبغ المخصص للنساء، كما أن “عبوات سجائر  البنات” متوفرة في البقالات والمولات والأسواق ولدى باعة السجائر  الجائلون ما يؤكد رضاء الدولة عما يحدث ويبقى على المجتمع تقبل السلوك طالما أنه لا يؤذي الآخر.

فيما اتفقت “مها –  رانيا – عسجد” طالبات جامعيات، على أن السلوك تحوَّل إلى ظاهرة تمارس حتى داخل الحرم الجامعي وفي العلن وعلى الملأ دون استحياء، واشاروا إلى دور الأسر وعدم الوعي والمسؤولية الشخصية، وناشدن بضرورة ضبط الشارع نسبة لأن المجتمع السوداني ما زال متماسكاً ومجتمع غيور جداً على بنات بلده .

 

وافق الخريج رامز عثمان، الرأي السابق،  مبدياً خشيته أن يتحوَّل السلوك لظاهرة وسط الطالبات وعموم البنات في إعمار الدراسة،  وناشد الأسر بالانتباه، بينما يرى الطالب عماد الريح أن المسألة حريات ولا أحد يجوز له أن يتدخل في شؤون الآخرين طالما هناك قناعة من الطرف الممارس للسلوك.

سلوك تحوَّل لظاهرة

اعتبر سعد الدين أبو مصعب، موظف  بأحد الشركات أن السلوك تحوَّل لظاهرة انتشرت بشكل مزعج، وقال لـ(الصيحة)  الغريب أنها أصبحت علنية في الشارع العام والمطاعم وجوار ستات الشاي، ربما كثير من البنات يعتبرن التدخين في الشارع نوع من الحداثة والتحرُّر، وهذا يعود للجهالة الثقافية والعلمية التي يتمتعن بها ولا يدرون أن تدخين الشيشة والسجاير لها أماكنها المتخصصة لدى الدول المتقدِّمة والشعوب المتحضِّرة  لأنها تعتبر من متلوِّثات البيئة واحترام للآخر الذي لا يدخن أو التي لا تدخن.

وأضاف إنه لاحظ أن كثيراً من فتيات التدخين من أسر ميسورة الحال الاقتصادي، وبدأ ذلك من خلال العربات التي يمتلكنها .

 

رأي مختص

فيما نبَّهت المختصة في أمراض  الصدرية دكتورة نيفين محمد أحمد، إلى أن الكثير من أمراض الصدرية تعود إلى تعاطي الشيشة والسجاير.

وقالت لـ(الصيحة) من الأمراض السرطانات والسل الرئوي وأمراض القلب وقفل الشرايين، كما أنها في حالات ربما تسبب العقم وتنقل الأمراض للجنين إضافة إلى تشويه الأجنة في بطن الأم،

 

وأضافت أن المدخنة لا تدري سبب إلزام  الصحة العالمية مؤسسات التبغ كتابة (مضرة بالصحة) على منتجات التدخين، وأضافت أن كثيراً من شركات الطيران منعت التدخين على رحلاتها العالمية كذلك بعض المطاعم العالمية.

وأردفت أن ظاهرة تعاطي البنات في الشوارع والأماكن العامة للشيشة خطر جداً، لأنهن يتبادلن (فم) خرطوش الشيشة بينهن بالتالي تنقل الأمراض المعدية بين المدخنات، وأكدت أن الظاهرة أفرزتها الجهالة والفراغ، وطالبت بملء الفراغ بماهو مفيد من أندية سباحة وتأسيس مراكز استنارة وثقافة وأندية قصص وروايات، وأهمية إقامة ندوات صحية عن خطورة الشيشة والسجاير، وشدَّدت  بضرورة اهتمام الأسر بأبنائهم وبناتهم ومراقبة سلوكهم وخلق صداقات مع الأبناء خاصة البنات حتى يكون تحصين ضد الانحراف.

حدث أصبح مراقباً

المختص في علم الاجتماع النفسي د. محمد الحاج،  نقول إن الظاهرة هي سلوك أو حدث سُلِط عليه الضوء وأصبح مراقباً من الجميع كفعل شذّ على القاعدة التي اعتاد الناس عليها.

 

وذكر لـ(الصيحة) في مجتمعنا السوداني لم يكن تعاطي النساء للسجائر أو الشيشة وليدة العصر، بل كنا منذ زمن بعيد نرى ونشاهد النساء يتعاطين السجائر والشيشة في نطاق ضيِّق في حدود بيوتهن، وكنَّ يفعلن ذلك على استحياء إشباعاً لمزاجهن الخاص.

وأضاف الحاج، لم يكن هنالك اعتراض أو رفض جمعي لهذا السلوك، فلذا كان معتاداً أن نرى سيدة أو امرأة في متوسط العمر ترسل أحد أبنائها أو أبناء حيَّها لشراء سجارة أو (جراك) معسَّل شيشة  ولم يكن أصحاب الكناتين داخل الأحياء يتعجبون أو يبدون أي ردة فعل لذلك.

شذوذ عن القاعدة

ويرى الحاج أن الفعل الذي أصبح ظاهرة هو إبداء هذا السلوك للعامة، حيث أصبحن يمارسن هذا الفعل في الأماكن العامة مما شذ على القاعدة السابقة وأصبح فعلاً ملحوظاً من العامة وصنَّفه الناس في خانة الخروج عن الأدب ومخالفة المجتمع.

 

ويواصل الحاج حديثه، قد لا يتعجب الناس للفعل ذاته، ولكن يتعجبون لممارسته في الأماكن العامة، فمعظم الأسر السودانية أن لم يكن كلها كان فيها من نسائها من يتعاطى السجائر أو الشيشة أو التمباك، ولم يكن ذلك السلوك مذموماً باعتباره جزءاً من الخصوصية لكل سيدة طالما تحتفظ بفعل ذلك في بيتها.

ويضيف، الناس يسافرون ويتجوَّلون في بقاع الأرض يرون النساء في المقاهي والطرقات العامة وأماكن العمل يتعاطين ذلك ويعتبرون ذلك حرية تشمل كافة المجتمع الذي يعشن فيه.

 

ويرى الحاج، الآن هي ظاهرة وبعد غدٍ ستصير عادة يعتاد عليها الجميع،

وهي جزء من حركة السلوكيات المجتمعية التي تتغيَّر كلما اتسعت رقعة الحرية الشخصية لكل فرد وكلما تضاءلت النظرة المجتمعية لمسالب الآخرين وغض الطرف عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى