يتقاتلون في الخرطوم والجزيرة

حرب المسيرات

يتقاتلون في الخرطوم والجزيرة

حرب المسيرات

عمار نجم الدين

تتجاوز الوقائع الأخيرة في أم درمان وجبل أولياء حدود التفسير السياسي، لتصطدم بحقيقة تقنية لا تحتمل التأويل: الفيزياء لا تكذب. إن محاولة تفسير الاستهدافات الجوية عبر نسبها إلى نقاط بعيدة جغرافياً تنهار أمام منطق الأرقام؛ فالمسافة بين رهيد النوبة ومواقع العمليات في شرق الجزيرة ((قرية الكواهلة)) أو قلب الخرطوم تتراوح جوياً بين 320 إلى 380 كيلومتراً، وهي مسافة تتطلب ما بين 6 إلى 8 ساعات طيران في اتجاه واحد.

بمقارنة ذلك مع القدرات الفعلية للمسيّرات التجارية من فئة DJI، يتضح التناقض الحاد؛ إذ لا يتجاوز زمن طيرانها الأقصى 55 دقيقة، بينما لا يتعدى مدى التحكم الفعلي عشرات الكيلومترات في أفضل الظروف. نحن هنا أمام فجوة تقنية تصل إلى عشرة أضعاف في مدى الطيران، وتتجاوز ذلك بكثير في نطاق التحكم. هذه الأرقام وحدها كافية لإسقاط فرضية “الانطلاق البعيد”، وتقودنا بالضرورة إلى استنتاج مهني واحد: الفاعل يطلق نيرانه من مسافات قريبة جداً من أهدافه، داخل الأحياء التي يُفترض أنها مؤمنة تماماً.

هذا العجز التقني عن تفسير المدى البعيد، مضافاً إليه نفي الرواية الرسمية لوجود الدعم السريع في تلك المناطق وصمت الأخير عن تبني العمليات، يضعنا أمام الحقيقة العارية؛ نحن بصدد قتال “بيني” بامتياز. إنه الصراع المحتدم على إرث السلطة، حيث يمارس عبد الفتاح البرهان براغماتية دموية؛ فينافق المجتمع الدولي بوعود إقصاء “الإخوان”، بينما يضرب تحت الطاولة لتصفية حساباته مع مجموعة علي كرتي وحركات دارفور، مستعيناً ببدائل ميدانية صنعها من رحم القوات المسلحة كقوات “درع السودان” والمنشق عن “تأسيس” النور قُبه.

في هذا المشهد، لم تعد المسيّرة مجرد سلاح، بل أداة لتعديل موازين القوى الداخلية؛ فالبرهان يصفي خصومه الإخوانيين وحلفاءهم، والمعسكر المقابل يرد بالضرب في حرب إرادات لا تخطئها العين. إن استهداف منزل وأسرة القائد عزام كيكل في الجزيرة ليس إلا فصلاً من فصول تصفية الحسابات المتبادلة بين رفاق الخندق الواحد. هي مسرحية دموية تُدار تحت لافتة “المسيّرات المجهولة”، بينما الحقيقة أن الحلفاء يقتلون بعضهم البعض لضمان مقعد في خارطة الطريق القادمة، وسط زحام الخرطوم وأوجاع الجزيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى