منى أبوزيد تكتب : احذروا التقليد..!

12يونيو 2022م
“ليس ثَمة تأويل نهائي للحقيقة، فالحقيقة سَيل من التأويلات”.. د. علي حرب..!
بعد مُرور سنواتٍ، عاد حصاد الثورة ليتصدّر المشهد السياسي في السودان، لكن التاريخ الذي يُعيد نفسه اليوم ببعض التصرُّف يستوجب أن نقف أمام المآلات وأن نستشرف النتائج عطفاً على ما كان، وأملاً في أن يكرمنا نهر الزمن الذي يجري في ذات التضاريس الفاصلة ببعض “التفريعات” المُستحدثة، التي تضمن لهذه النسخة تطويراً منهجياً لبعض المآلات واجتناباً استراتيجياً لبعض الهنَّات والإشكالات والعلل والمزالق – ولن أقول المهالك – التي تعقب الوقوف على أعتاب الحلول..!
صناعة المستقبل تبدأ بقراءة التاريخ والسلوك البشري كله مختزل و”مؤيقن” بين فصول الروايات التاريخية الحبلى بالنبوءات السياسية والمرجعيات النفسية والشروحات العاطفية. فكل موقف إنساني مهما خف وزنه بمكاييل الواقع المَعيش هو خطير وقاطع وثمين في موازين أدب التاريخ وتاريخ الأدب المستوحى بطبيعته من حكايات البشر الخطائين..!
معظم الذين حملوا مشاعل الثورة استمدوا ثباتهم من قصص التاريخ ومن حكايات الأدب العالمي الذي وصف اللحظات الأخيرة في حياة معظم الحكام وبعض الطغاة. لذلك تجد أن الذين شاهدوا نهاية الحكم المستبد على صفحات الكتب لم يُصابوا بدهشة تُذكر لفرار بن علي ولا سقوط مبارك ولم يساورهم أدنى شك في مصير القذافي. ولم يُغيِّر قناعتهم بالنهايات الدرامية نهوض علي عبد الله صالح كالعنقاء من تحت الرماد، ثم لم تدهشهم نهايته المأساوية على أيدي من حالفهم يوماً، ولم يشُكُّوا يوماً في سقوط حكم البشير. كلها إذن روايات لمصالح سياسية مُرسلة وقصص واقعية حبلى بفصول الموت المعلن، ونهايات تاريخية مرصودة سلفاً بين سطور الأدب التي لا تغفل شيئاً..!
ولكن – وآه من تلك الأداة الاستدراكية التي تفيد استدراك المعنى السابق بمعنىً لاحقٍ نقيضٍ له – لا بد لهذا الشعب من أن يستشرف واقعه الجديد وهو يحمل قائمةً بالأخطاء والتبعات السالبة التي أعقبت انتصار معظم الثورات. لا نُريد لهذا السُّودان أن يشهد تخبُّط النُّخب السِّياسيَّة في اجتراح الحلول وعجز بعضها وتعثُّر البعض الآخر في أعقاب بعض ثورات الربيع العربي..!
التاريخ يقول إنّ القيادة لا تصنع التغيير الحقيقي إلا بدعم الجماهير وهو يقول أيضاً إنّ النخبة هي الطرف الوسيط بين القادة والجماهير، ولكن كل الخشية على مصير القيادة والجماهير معاً من أوهام النخبة وما أدراك ما أوهام النخبة التي أفرد لها د. “علي حرب” مؤلفاً كاملاً قال فيه “إن خروج الشعوب من مآزقها السياسية وخلافاتها الداخلية لا يتحقّق إلا من خلال استراتيجية العقل التداولي، والاعتراف المتبادل بالخطأ، واتقان لغة التسوية، ونضج عقلية الشراكة السياسية، وتعدد الرؤى والأبعاد”..!
الإنسان ليس رقماً ثابتاً في مُعادلة التّغيير، إلا إن هو أبى. فعلينا إذن أن نجتنب الوقوع في ذات الأخطاء، علينا أن نُحذِّر التقليد، وعلى ضمير النخبة السياسية في هذا السودان أن يجتهد في إتقان لغة الأخلاق في مضمار التسويات والمُنافسات وإلا..!

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى