سراج الدين مصطفى يكتب.. نقر الأصابع.. 

(1)

حينما صدح صوت أم بلينة السنوسي في الملحمة وهي تغني:

وكان القرشي شهيدنا الأول.. وما اتراجعنا..

حلفنا نقاوم ليلنا وسيرنا.. وما اتراجعنا..

نذرنا الروح مسكنا دربنا.. للشمس النايرة قطعنا بحور

حلفنا نموت أو نلقى النور

تلك الجملة البسيطة كانت كافية لتؤشر علي موهبة صوتية عالية للفنانة أم بلينة السنوسي.. وتاريخها الغنائي كله ينحصر في تلك الجملة التي رددتها في الملحمة.. مع أن أم بلينة تغنت بالعديد من الأغاني ولكن مشاركتها في الملحمة ظلت هي الأبرز عبر تاريخها.. حتى إننا لا نعرف لها إلا عددا محدوداً من الأغنيات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة..

(2)

ما ينطبق على الفنانة الكبيرة أم بلينة السنوسي يكاد يتطابق كلياً مع الفنانة منال بدر الدين.. فهي فنانة ينحصر تاريخها ليس في جملة رددتها ولكن عبر (أهة) ممدودة في أغنية الخرطوم بالليل التي تغنيها فرقة عقد الجلاد.. تلك (الآهة) هي التي أنتجت فنانة اسمها منال بدر الدين.. ولا شيء غير ذلك..

(3)

بعد أن تركت منال بدر الدين فرقة عقد الجلاد.. حاولت أن تبني شخصية غنائية منفصلة.. ولكن منال لم تختلف عن كل الذين ذهبوا عن عقد الجلاد ثم حاولوا بناء تجاربهم الشخصية بعيداً عنها ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً ولم يجدوا ذاتهم بعد رحيلهم عن الفرقة.. والأمثلة كثيرة.. وتظل منال بدر الدين نموذجاً ماثلاً أمامنا لذلك الفشل في بناء شخصية منفصلة.. وذلك التوهان وعدم القدرة على ترسيخ التجربة في  وجدان المستمع يرجع في الأول لغياب المؤهل الإبداعي الذي يتيح الاستمرارية والرسوخ.

(4)

منذ أن انفصلت منال بدر الدين عن فرقة عقد الجلاد قبل سنين طوال.. ظلت واقفة في ذات المكانة ولم تتحرك منه شبراً للأمام.. وظلت تجربتها الجديدة تعيش حالة من الكساح والضمور وعدم القدرة على الانتشار.. محدودية الجغرافيا التي تتحرك فيها منال بدرالدين كانت بسبب النمط الغنائي الذي اختارته لنفسها.. وهو شكل غنائي لا يتناسب والوجدان السوداني الذي ينحاز للتجارب المباشرة التي تخاطب همومه بلغة شعرية بسيطة وجملة موسيقية سهلة الهضم..

(5)

أربعة وثلاثون عاماً هي الفترة التي توقف فيها عن إنتاج الغناء الجديد وهو القادر على تقديم لحن عبقري ومختلف في كل يوم.. ولكن يبدو أن الأحقاد التي تعتري ملامح الساحة الفنية هي ليست وليدة اليوم ولكنها ذات جذور ضاربة في القدم.. لذلك ليس بمستغرب أن تنهار الكثير من القيم الأخلاقية والإنسانية في ظل الغل والحقد الذي يستشري في كل مفاصل وجسد الغناء والموسيقى.

(6)

فنان بتلك العظمة والعبقرية لم يجد حظه وحقه من الانتشار الذي يوازي الألحان التي أنتجها في تلك الفترة ووجدت من يقف أمامها من لجان الإذاعة والتلفزيون ويكتب عليها أنها (أغنيات لا تصلح للبث)!! التاج الذي لحن الملهمة.. إنصاف.. عني مالهم.. أطياف.. عازف الأوتار.. بهجة حياتي.. يا نسيم قول للأزاهر.. ويا غايب عن العيون.. والكثير الكثير من الغناء الجديد والمختلف.. ولكن رغم عظمة تلك الألحان المتطورة حتى يومنا هذا، يكتب بعضهم على ديباجة أغنياته بأنها لا تصلح للبث.

(7)

من وقفوا ضد التاج مصطفى في ذلك التوقيت، صحيح أنهم فتحوا الفرصة لأنفسهم بإقصاء أغنيات التاج مصطفى وتدميره نفسياً ولكنهم في ذات الوقت حرموا الشعب السوداني من أغنيات فارعة ذات قيمة فتية كبيرة ومضامين شعرية كانت مختلفة عن حال السائد والمطروح في ذلك الزمن.. وأنا حينما أذهب لأسرة التاج مصطفى بمنزلهم بأمبدة أتوقف على الحزن الكبير الذي يعتري عائلته.. فهم يملكون كل الروايات ويعرفون كل الأشخاص ويحددونهم بالاسم.. ولكن لا يمكن ذكرها مطلقاً لأننا لو ذكرناها سنتعرض لأسماء كبيرة لها إسهامها في صياغة الوجدان السوداني بأغنيات عذبة وراقية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى