“القبلنة” الوزارية

 

معروف كما ذكرنا سابقاً، أن القبائل أقدم وجوداً على الأرض من الدول. وهو ما أكده القرآن الكريم.. (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). صدق الله العظيم. فالله خلق الخليقة من ذكر وأنثى وهو التقاء أبونا آدم بأمنا حواء، ثم انحدرت الخليقة إلى قابيل وهابيل، فأبونا نوح وأولاده سام وحام ويافث، وتفرعت هذه الأسر إلى قبائل عاد وثمود، وهكذا في كل ربوع الدنيا، ففي أروبا مثلاً توجد قبائل الجرمان واللمبارديون والساكسون وجزء منها هاجر إلى أمريكا ووجد أمامه قبائل الهنود الحمر والبشمن في أستراليا. وفي أفريقيا قبائل الهوسا واليوربا والبرنو والكانم ووداي. وفي السودان حدّث ولا حرج. كل هذه القبائل سطّرت وجوداً على الأرض، فجاءت الدول الحديثة لتجميع هذه القبائل في هيكلة الشعوب، وتكون الدولة رأسيًا هي تاج الهيكل. هناك عادات غير حميدة أصبحت صفة ملازمة للقبائل وهي الحمية  نصر إبن القبيلة ظالماً أو مظلوماً. ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطيناً (ليه بس)، لذلك سمّاها الإسلام حمية الجاهلية الأولى ومن المفترض أن الدولة الحديثة تستلب هذه العادة الذميمة من القبائل وترمي بها في سلة مهملات التاريخ بحكم وعي الدولة وتطوّرها. وهو ما فاقها فيه الإسلام بخاتمة الآية الكريمة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ليس أشرفكم جاهاً ولا أكثركم مالاً. والتقوى قمة الأخلاق. ولكن إذا نظرنا إلى حال دولتنا ومؤسساتها نجد أن أي وزارة عبارة عن قبيلة لها حاكورتها وقدسيتها وامتيازاتها ونصرة أفراد هذه القبيلة ظالمين أو مظلومين وحساسية مفرطة أشد مع القبائل الأخرى أقصد الوزارات. هناك حساسية بين وزارتي الري والزراعة والأطباء البشريين والبياطرة، وهناك قبيلة الصيادلة والحساسية المزدوجة، ولا ننسى وزارة الثروة الحيوانية وموقعها من الإعراب. وينداح الأمر إلى القوات النظامية خاصة القوات المسلحة أم القبائل (الما فيها كلام) نظرتها للقوات الأخرى كالشرطة والأمن وحتى ناس الإشارة. ولا ننسى نكتة الرئيس الراحل نميري مع مدير عام الدفاع المدني (المطافئ) الذي اشرأب عنقه ليأخذ أعلى رتبة في الشرطة. يقول هذا أمام ابن العسكرية الأصلية فنهره وقال له انت أصلك تطفئ جهنم! نميري أخرج النفسية القبلية العسكرية الحقيقية.

ما جرني لكل هذه الرمية ذات المقدمة الطويلة هو دفاع قادة هذه الوزارات عن بعض منسوبيهم، ويحسبون أنهم كل منسوبيهم. وأضرب مثلاً بمسؤولين أولهما رئيسة القضاء التي أرغت وأزبدت وهدّدت ونفذت لمجرد أن قاضياً تم الاعتداء عليه في أحد أصقاع الشرق خارج دائرة محكمته. لم تنتظر نتائج التحقيق بل على الفور أعلنت الإضراب لكل القضائية. هي تعتقد أنها مسؤولة عن القضاء فقط (قبيلتها) مع أنها مسؤولة عن العدل والعدالة في السودان كله وساكنيه، الصغير والكبير. الأمير والخفير، الشريف والوضيع، المرأة والرجل، العامل والموظف والقوات النظامية كلها، وغير ذلك من الفئات. أنظري لكل هذه الشرائح مقابل شريحة القضاء. أعدل الناس إلا في مظلمتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم أو كما قال الشاعر.

المسؤول الثاني هو وزير الصحة يرتفع نفسه كلما حصل اعتداء على طبيب أو طبيبة، أيظن هذا الوزير أنه مسؤول فقط عن الأطباء، هو وزير الصحة، وليس وزير الأطباء هو مسؤول عن المريض حتى يتعافى والسليم حتى لا يمرض وبين هذا وذاك ومن ضمن احتياجات كثيرة تأتي الحاجة إلى الطبيب. أولاً ندين بشدة أي محاولة لأخذ القانون باليد، وإلا رجعنا لعهد القبائل الأول الجاهلي، ثم أن أعظم اعتداء هو الاعتداء على المعلم ثم الطبيب والقاضي. ولابد للمعتدي أن ينال العقاب اللازم العلني. لكن الاعتداء عليهم ليس له مبرر أن (يحمسهم) الوزير المعني، وإنما القانون يجري مجراه الطبيعي، وليس مبرراً أن تقفل المحاكم ويضرب القضاة، ولا مبرر أن يغادر الأطباء ويتركون مرضاهم على (الصقيعة) كما فعل أطباء الضعين، وهم كل يوم يتلون الآية الكريمة (ولا تزر وازرة وزر أخرى). أعتقد أننا لا زلنا نعيش عهد القبائل التي اعتدت على الأبرياء (وتنبّرت) بقولها جرم جره سفهاء قوم حلّ بغير جارمه العذاب. كل رجائي ألا نعيد تاريخ القبائل البائدة التي تعتبر الحمية هي غاية مجدها وسؤددها.

د. محمدعيسى عليو

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى