يا مسافر جوبا

 

لأول مرة أعجز أن أُعبّر بصدق عن ما يجيش في خاطري عن رحلتي إلى دولة جنوب السودان الأسبوع الماضي، بدعوة من البروف سليمان ديبيلو رئيس مفوضية السلام للمشاركة وإبداء الملاحظات إن وُجدت في ملفات التفاوض التي تناقش هذه الأيام في جوبا بين حكومة السودان وقيادات الكفاح المسلح مُتمثّلة في ما عُرف بالجبهة الثورية. عجزي هو حزني وأسفي على الانشطار الذي حصل بين أبناء الدولة الواحدة وصناع التاريخ المشترك. مع علمنا أن كل له أسبابه. نترك ذلك لوثائق التاريخ لتُبيّن الحق والحق أبلج والباطل لجلج. لكن ما يُثلج القلب ويُسعد الضمير المعني أن الجنوبيين لم يحسسوننا أبدا أنهم شيء آخر (بلا وانجلا) بل ظلوا كسودانيين بكافة تشابُهات الحالة السودانية بدءاً بتسمية الدولة جنوب السودان، وكان يمكن أن يسموها الأماتونج أو دولة الاستوائية أو دولة الجنوب الأفريقي. وليس آخراً أن شعارهم هو شعارنا صقر الجديان وزي الشرطة وشعارها العين الساهرة. وهكذا زي الجيش. أما الحياة العامة فهي حالة سودانية في كل شيء وبفخر وإعزاز كيف لا والجنوبيون هم من أسس السودان الحديث مع إخوتهم الشماليين. عشنا معهم ثلاثة أيام مرّت وكأنها ثلاث دقائق يصابحوننا بالبسمة ويمسوننا بها كأننا الأطفال تُهدهدهم الأمهات وكأننا أبناء افتخر بهم الآباء. فلذلك عجِز لساني في الحالتين، الأولى لم أستطع أن أعُبِّر عن حُزني في حالة الفراق والانفصال. والثانية في حالة اللقاء والاتصال منذ حضورنا وحتى وداعنا صباح أمس.. تخلّل برامج اللقاءات حفل صاخِب على شرف الإدارة الأهلية والمجتمع المدني الدارفوري الذي من خلاله أطربنا الشباب الجنوبي بأناشيد وأغانٍ سودانية أدمعت عيون الكثيرين منا. كان بطل كل هذه الملحمات السلطان الدكتور الوزير ضيو مطوك الوزير السابق في الحكومة السودانية، ونائب رئيس الوساطة الحالي بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية . كان متألقا وفصيحاً وبلغة عربية سهلة وتزيد حلاوتها اللكنة والنكهة الجنوبية .. يكاد يطير فرحاً كلما سنحت له الفرصة لمخاطبة الوفود مما زاد إحساسي أن الجنوبيين هُم هًم لم تزدهم الدولة الجديدة إلا تواضعاً وحباً للسودان والسودانيين. أما الفريق توت قلواق رئيس الوساطة فهذا سوداني بكل ما تحمل الكلمة من معنى من قفشاته ونكاته ومداعباته ويكفي طرفته التي قال فيها وهو يشير إلى دكتور جبريل إبراهيم الذي كان بجانبه أثناء الحفل الذي أقيم على شرفنا، حيث قال: أنا وأخي جبريل كنا إخوان مسلمين نقاتل في الإستوائية. فضحك الجميع ومعه تصفيق حاد. الحالة الجنوبية تطمئن على أننا نستبشر مستقبلاً واعداً خاصة مع طموحات شباب ثورة ديسمبر التي لا تحدّها حدود.

أما عن ما نستطيع قوله حول المفاوضات والملفات بين الحكومة والحركات. فأقول بكل تأكيد إن هذه الجولة بين شركاء وليسوا خصماء. نقاشات أخذ وعطاء وليست حوارات طرشاء . وما يزيد من التفاؤل الروح الأخوية والثورية التي تسود بين الفرقاء الثلاثة الوسيط والحكومة السودانية والجبهة الثورية عكس التفاوض السابق بين حكومة الإنقاذ والحركات المسلحة الذي كان ديدنه السب والهمز والغمز واللمز وأحياناً تتطور الكراهية للصدام والشجار (والبنية) والتي نحن شهودها. وفي القريب العاجل إن شاء الله ستُحسم الملفات الثمانية وملحقاتها القضايا الخاصة.. ويبرمج كل ذلك في توقيع اتفاق سلام شامل لا يُقصِي أحداً. وبمناسبة الإقصاء نُكرّر ما قلناه للإخوة في الجبهة الثورية أن لا تتركوا وراءكم أحداً إلا من أبى. إن حل الله عقدة لساني واتقد ذهني فسوف أُعبِّر في آراء عن كيفية التقائنا واندماجنا من جديد مع إخوتنا الجنوبيين، وكل شيء ممكن، وليس ذلك على الله بعزيز ولكل مجتهد نصيب.

حتى لا يفوتني. لقد قرأت خبر محاولة اغتيال الأخ الصبور المهذب رئيس الوزراء. أولًا لا ندين هذا المسلك المشين بل نقول لعنة الله على القتلة الذين يريدون أن يأتوا للسودان بالجديد المشين المسئ.. المسلك الذي لم نعرفه على مر السنين منذ بعانخي وترهاقا والمهدي وكل عهود الحُكّام الوطنيين. هذا

الجسم السرطاني يجب بتره بلا هوادة حتى لا يستشري في بقية جسد الوطن المُعافَى الجميل. ألف حمداً على سلامة البطل ابن السودان البار الدكتور حمدوك .

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى