رفع الدعم هو الدعم الحقيقي 2-2

 

قُلنا في المقال السابق أن رفع الدعم هو أمر لابد منه، فالدولة لا تملك، ببساطة، الموارد الكافية للاستمرار في هذا النهج الغريب: أن تنفق ثلثي ميزانيتها لتوزيع الوقود والخبز شبه المجاني، على سكان العاصمة وبعض المدن الكبرى. بينما تشتكي من الاختلال الهائل في الميزان التجاري، بسبب قلة الصادرات، الناتج عن قلة الإنتاج. ومَن ينتج لكم إذا كان الجميع قد رحلوا إلى الخرطوم حين الخبز بالكوم والبنزين في المحطات مردوم؟  وكيف ينتج المواطن في الأرياف وهو يرى الدولة تنتزع منه عرق جبينه، من ذرة وقطن وسمسم وفول وباقي المحصول، وتصدره لتقدم عائداته على طبق من ذهب للشباب الذي ينام حتى الظهر في الخرطوم، ثم يصحو من النوم ليحتج على وجود صفوف في الخبز الفاخر المستورد، وزحمة في محطات توزيع الوقود المجاني. يشتري الثري الخرطومي الوقود لسيارته بسعر 6 جنيهات للتر، بينما يشتري المزارع في بارا جالون الجاز لزراعته بمائة جنيه!

توجد عدة حلول لمشكلة الدعم ووفرة الغذاء. فالقمح الأبيض المستورد من أمريكا وكندا وأستراليا وأوكرانيا ليس فريضة ولا هو ضرورة حياتية. تستطيع الدولة توفير قمح محلي، ورفع نسبة الاستخلاص لما يقرب من 100 في المائة، وخلطه مع ما لا يقل عن 50 في المائة من الذرة، وتوفير الخبز بهذه المواصفات للمؤسسات كالمدارس والسجون والمستشفيات والجامعات. أما المطاعم والمنازل، فمن يريد منهم الخبز الفاخر فعليه دفع ثمنه كاملاً، ولا يوجد أدنى سبب ولا مبرر لتقديمه له مدعوماً بالدولار الشحيح.

تستطيع الدولة تقديم دعم نقدي للعاملين في القطاع العام، وإلزام القطاع الخاص بنفس السياسة. وذلك عبر تقديم بديلٍ نقدي يساوي دعم الخبز والمواصلات للذين يستحقونه فعلاً، وهم أصحاب المرتبات الضعيفة. وتستطيع الدولة صرف رواتب مجزية لجميع الأسر الفقيرة (عجزة، مرضى، أيتام وأرامل) ممن لا يملكون مصدرَ دخلٍ ولا عائلاً قادراً على العمل (إذا وجد من هو قادر على العمل فلا دعم إلا من خلال راتب العمل) وذلك عبر الآليات المحلية القادرة على حصر الأسر، ودراسة حالتها ميدانياً، والتأكد من استحقاقها للدعم ووصوله إليها.

إن تغيير النمط الغذائي للناس في السنوات الأخيرة هو أمرٌ يخصهم، ولكن ليس على حساب الميزانية العامة. لقد تمادت الدولة في تشجيع السفه والاستهلاك الخاطئ، عبر دعمها للقمح المستورد، ولوقود السيارات. ولو أنها خصصت الدعم كله للإنتاج المحلي، ولوقود الزراعة والنقل والصناعة لكان عائده أفضل بألف مرة للمواطن ولاقتصاد البلاد.

إن الدعم الخاطئ هو الذي أدى لتصاعُد معدلات الاستهلاك الخاطئ. فميل الناس تدريجياً إلى الخبز الأبيض المستورد، وترك الذرة والقمح المحلي ومنتجاتها (الكسرة والقراصة والعصيدة والخبز المنزلي) إنما حدث بسبب وفرة ورخص سعر القمح المستورد والخبز الأبيض. ومن الغرائب أن تدعم دولة فقيرة مثل السودان، منتِج القمح الأمريكي أو الأسترالي بمليارات الدولارات، بينما لا تدعم ولا بمليم واحد منتج الحبوب السوداني، رغم أنه لا يكلفها بالدولار، ورغم أن عائداته ثلاثية الفائدة: رفع مستوى دخل المواطن المنتج، وتشغيل اليد العاملة، ودعم سعر العملة المحلية عبر دعم الصادر وإحلال الواردات.

إن كان ولابد من دعم الغذاء المستورد، ونحن شعب أقرع ونزهي، فأقترح دعم مشروب الكولا ودجاج كنتاكي وشيكولاتة الماكنتوش!

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى