سجل أسود وممارسات ممنهجة..
كيف تقوّض جرائم الجيش السوداني وحلفائه من الإخوان فرص السلام؟

يقف السودان اليوم على شفا انهيار تام جراء صراع دموي طال أمدُه، حيث تتصاعد الكارثة الإنسانية بفعل العمليات العسكرية الممنهجة التي تخوضها القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، بالتحالف الميداني والسياسي الوثيق مع كتائب الحركة الإسلامية “جماعة الإخوان المسلمين” وواجهتها “المؤتمر الوطني”.
ولم يعد الخطر يكمن فقط في استمرار المواجهات المسلحة، بل في النمط الإجرامي المتصاعد الذي يستهدف العُزّل والمدنيين والبنى التحتية، ممّا يقوّض تماماً أيّ فرص مطروحة للوصول إلى تسوية سياسية عادلة.
القصف العشوائي وتكتيك العقاب الجماعي
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 سجلت التقارير الأممية والدولية آلاف الانتهاكات المروعة التي ارتكبها الجيش السوداني والميليشيات المحالفة له. وتؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة تقصي الحقائق المستقلة اعتماد المؤسسة العسكرية المفرط على سلاح الجو والطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة في استهداف المناطق السكنية المأهولة والأسواق والمرافق الخدمية.
وقد تجسد هذا السلوك الإجرامي في مجزرة قرية “غراء الزوايا” بشمال دارفور في شباط (فبراير) 2026، حينما استهدفت طائرة مسيّرة محكمة أهلية تجمّع فيها مواطنون للنظر في نزاعات محلية، ممّا أسفر عن مقتل 35 مدنياً وإصابة العشرات. ولم تكن هذه الحادثة سوى امتداد لسلسلة من الضربات الجوية العشوائية، مثل قصف منطقة “شرشار” بشمال كردفان الذي أودى بحياة 24 مدنياً؛ ممّا يُثبت لجوء القيادة العسكرية وسياسات الإخوان المحركة لها إلى خيار العقاب الجماعي والتدمير الممنهج في المناطق الخارجة عن سيطرتهم.
تداخل “الخلية الأمنية” واستنساخ الدولة العميقة في الجزيرة
لا تقتصر الانتهاكات على الضربات الجوية، بل تمتد إلى تغول الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للحركة الإسلامية في مناطق سيطرتها. وفي هذا السياق كشف “مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان” في تقرير آب (أغسطس) الجاري عن تجاوزات خطيرة تُرتكب بوساطة “المباحث الفيدرالية” و”الخلية الأمنية” والميليشيات الإخوانية في مدينة ود مدني وولاية الجزيرة عموماً.
وأفادت التوثيقات الحقوقية بتعرض المدنيين للاحتجاز التعسفي لفترات تمتد لأشهر دون سند قانوني، وحرمانهم من مقابلة دفاعهم، فضلاً عن تحول حراسات الشرطة إلى مقرات للابتزاز المالي، حيث تطلب الجهات الأمنية مبالغ تصل إلى 20 مليون جنيه سوداني مقابل الإفراج عن المعتقلين.
وتُمارس الخلية الأمنية ضغوطاً وإكراهاً على الشهود للإدلاء بشهادات معدة سلفاً، وسط انتشار المقرات والتشكيلات العسكرية، مثل قوات “درع السودان”، داخل الأحياء السكنية (كحي الزمالك)، وتحويل بعضها إلى مراكز احتجاز سرية تعيد إلى الأذهان بيوت الضيافة والمعتقلات التابعة للنظام البائد.
تحالف الجيش والإخوان: إعاقة مسارات الحل السلمي
يشكل تلاحم قيادة الجيش مع عناصر النظام البائد والحركة الإسلامية عقبة رئيسية أمام كافة المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب. فالإخوان المسلمون يرون في استمرار دوامة العنف فرصة استراتيجية لإعادة تمكين نفوذهم وتصفية خصومهم السياسيين، مستغلين مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية لإرهاب المواطنين وإسكات الأصوات المدنية المطالبة بالديمقراطية.
وقد تسببت هذه السياسات التعسفية والقصف المستمر في خلق أسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم؛ حيث تؤكد إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية اللاجئين مواجهة أكثر من نصف السكان لخطر المجاعة، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل البلاد وخارجها نتيجة انعدام الممرات الآمنة وتعمد تعطيل الموسم الزراعي.
إنّ الممارسات الميدانية المتصاعدة للجيش السوداني وحلفائه من كتائب الإخوان تُثبت أنّ رهان الحسم العسكري ليس سوى استنزاف مقصود لمقدرات الوطن؛ وأنّ تفكيك هذه الشبكات الأمنية والميليشياوية وتطبيق العدالة المحاصرة لمرتكبي جرائم الحرب هما المدخل الوحيد لاستعادة المسار المدني وإنقاذ السودان من الانهيار الكامل.




