حين يهرب السجمان إلى عباءة التصوف!

حين يهرب السجمان إلى عباءة التصوف!
حسن عبد الرضي
يا لها من أيام عجيبة في سودان العجائب! رجلٌ عجز عن إقناع شعبه بأنه قادر على توفير الأمن والخبز، فقرر أن يبحث عن طريق آخر إلى الخلود في الحكم: عباءة التصوف! كأنما قال ابن الحلمان لجماعته: ما دام الشعب قد رأى الدم، فلنُرِه المسبحة! وما دام قد رأى الخراب، فلنرفع له راية بيضاء! وما دام قد سئم الحرب، فلنقدم له «بركة» جديدة لعلها تجعله ينسى الجوع والخوف والموت! ولكن هيهات!
فقد استمعت إلى تسجيل قوي خرجت فيه كوكبة من رجال التصوف، يتقدمهم زميلنا الدكتور الطيب البلال والشيخ علي هاشم السراج، والشيخ الجليل الدكتور عبد الجبار البلال، لتفسد على تجار السياسة بالدين هذه مسرحيتهم رديئة الحبكة وسمجة الاخراج. خرج هؤلاء الرجال ليقولوا إن التصوف ليس مغسلةً لغسل أيدي السلاطين، وإن المسبحة لا تصلح منشفةً لمسح الدم، وإن العمامة لا تمنح صاحبها صكاً إلهياً لحكم شعبٍ لم يختره!
يا لها من صفعة! لقد ظن تجار الدين أن بإمكانهم أن يأتوا بالبرهان إلى مجالس الصوفية، فيُجلسوه في صدر المجلس، ويضعوا فوق رأسه هالةً من القداسة، ثم يقولوا للشعب: هذا وليّ الأمر، فاسمعوا وأطيعوا! فإذا برجال التصوف يقولون لهم: على رسلكم! الشعب جائع، والشعب غير آمن، والسودانيون يدفعون أثمان الحرب من دمائهم وبيوتهم وأعمارهم، وأنتم مشغولون بتفصيل عباءة الخلافة للرجل!
أيُّ استخفافٍ بعقول الناس أكبر من هذا؟ فإن البرهان، ومن يزينون له طريق التتويج الأبدي، يريدون أن يجعلوا من السودان مملكةً بلا تاج، ومن الرئيس سلطاناً بخدعة شعبية، ومن الحرب سلّماً إلى الحكم، ومن التصوف ستارةً مخملية تخفي وراءها رائحة البارود والدم. لكن هؤلاء الرجال قالوا الكلمة التي ينبغي أن تُقال بلا خوف ولا مواربة: من يريد أن يتقدم رئيساً، فليترشح، وليختَرْه الشعب؛ أما أن يختار هو أن يتسيد على القوم، فذلك ليس حكماً وإنما استعلاءٌ على الناس.
سابق معرفتي بالأستاذ الدكتور الطيب البلال وبعض افراد عائلته الكريمة، إذ أتيحت لي سانحة تدريس أبنائه، مكنتني من معرفتي به معلماً جسوراً لا يبيع قولة الحق بثمن، ولذلك لم أندهش من موقفهم اليوم؛ فالرجال الذين تربوا على المواجهة، وربوا أبناءهم على العلم لا يمكن أن يرضوا لشعبهم الكريم الخنوع والخضوع. فوجب علينا أن نرفع القبعات لهؤلاء الشيوخ؛ لأنهم أعادوا للتصوف شيئاً من مجده الحقيقي: أن يكون مع المستضعفين لا مع المستبدين، ومع الإنسان لا مع السلطان. أما “ابن الحلمان” وتجار الدين، فنقول لهم: لن تغسلوا الدم بالمسبحة، ولن تستروا الخراب بالعمامة، فلا تحاولوا تنصيب الطاغية إماماً على شعبٍ لم يختره. فالسودان ليس ضيعةً لأحد، وشعبه ليس قطيعاً ينتظر راعياً أبدياً. ومن أراد أن يحكم السودان، فليطرق باب الشعب أولاً؛ فإن فتح له، دخل خادماً… وإن أغلقه، فليتعلم أخيراً أن الشعب ليس باباً يُفتح بالقوة وليس قطيعاً يُساق بالأكاذيب!




