نفوذ “الإخوان”.. “ازدواجية الدمج” تفجر الخلافات في معسكر بورتسودان

مع تعقيدات الأزمة السودانية، تتصاعد الخلافات داخل معسكر بورتسودان، وسط تمسك القيادي العسكري في قوات بورتسودان “النور القبة”، بفصيله ورفضه الاندماج ضمن القوات البرية، على غرار الميليشيات الأخرى؛ ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة أدوار هذه الفصائل ومعايير الدمج العسكرية.
ووفق سياسيين سودانيين، فإن موقف المؤسسة العسكرية يصطدم بازدواجية واضحة في التمييز بين الميليشيات، إذ تُمنح بعض الفصائل التي تحظى بنفوذ إخواني استثناءات، بينما تواجه مجموعات أخرى ضغوطًا للتفكيك أو الدمج على غرار مجموعة النور القبة.
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن معسكر بورتسودان يشهد انقلابًا ناعمًا قد يرقى إلى مواجهات عسكرية برعاية القوات المشتركة أو تنظيمات تتبع مباشرة للإخوان ضد النور القبة ومجموعته.
وقال مصدر سياسي سوداني مقرّب من قوات “الدعم السريع”، إن قوات بورتسودان ستواجه مأزقًا كبيرًا نتيجة هشاشة البنية التي تقوم عليها الميليشيات، إذ تختلف هذه المجموعات في عقيدتها القتالية والعسكرية، ولا يجمع بينها أي ترابط، سوى المصالح المشتركة، مؤكدًا أن النور القبة شأنه شأن بقية قادة الميليشيات، يعمل وفق أجندته الخاصة.
وأضاف المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه لـ”إرم نيوز” أن الحركة الإسلامية لا تريد توحيد الميليشيات التابعة لها؛ لأن ذلك قد يحد من قدرتها على العودة إلى السلطة، لذلك تعمل على إبقاء فتيل النزاع مشتعلًا، خشية أن تنقلب المجموعات عليها، موضحًا أن الحركة تحافظ على سيطرتها من خلال التحكم بالتمويل الذي يستخدم في إدارة الحرب.
وأكد المصدر، أن القبة لا يملك قوة مؤثرة على الأرض، إذ لا يتجاوز عدد عناصره 145 شخصًا، ولا يمتلك سوى 26 مركبة قتالية، وهي قوة لا يُعوَّل عليها ميدانيًّا، مشيرًا إلى أن مصدر القلق بالنسبة للحركة يتمثل في اعتقادها بأن القبة يمتلك امتدادًا قبليًّا عربيًّا بين قبائل المحاميد والسافنّا في دارفور؛ ما قد يمكّنه من تجنيد عناصر ويشكل خطرًا مستقبليًّا عليها، خصوصًا في ظل النظرة التي تعتبره قريبًا منهم بحكم الانتماء القبلي.
وأشار إلى أن الحركة تسعى إلى توظيف القبة، بحكم ارتباطه بمجموعات ذات امتداد قبلي في الشمال، في مواجهة أي ميليشيا أخرى قد تحاول ابتزازها.
وبيّن أن رئيس هيئة الأركان السودانية، ياسر العطا، لن يسمح للنور القبة بالانفصال، باعتبار أن القبة نفسه كان انشق عن قوات الدعم السريع وهو يتبع للشتات العربي من وجهة نظر العطا، رغم صعوبة اندماجه داخل قوات بورتسودان للأسباب ذاتها.
واختتم المصدر حديثه بالتأكيد أن المرحلة المقبلة قد تشهد اشتباكات جانبية بين القوات المشتركة ومجموعة القبة، إلى جانب مواجهات محتملة مع ميليشيات إخوانية.
الولاء العقائدي والقبلي
ومن جانبه، قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق، إن الخلاف بين ياسر العطا والنور القبة يكشف حجم الانشقاق العميق داخل البنية العسكرية والسياسية لمعسكر بورتسودان، ويؤكد أن السلطة التي نشأت تحت ضغط الحرب فقدت القدرة على ضبط التوازن بين التشكيلات المسلحة التي صنعتها بنفسها.
وأضاف الصادق لـ”إرم نيوز”، أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لعقيدة “الإسلاميين” القائمة على تفكيك المؤسسة العسكرية التقليدية، ثم إعادة تركيبها عبر شبكات الولاء العقائدي والقبلي والمناطقي والأيدولوجي.
وأوضح الصادق أنه طيلة الأشهر الماضية فتح المجال أمام عشرات التكوينات القتالية تحت لافتات المقاومة الشعبية والاستنفار والقوات المساندة، قبل أن تتحول تدريجيًّا إلى مراكز نفوذ تمتلك المال والسلاح والحاضنة والقيادة الميدانية، معتبرًا أن سلطة بورتسودان دخلت مرحلة “تضخم الميليشيات الحليفة”، وهي أخطر مرحلة تواجه أي سلطة تخوض حربًا طويلة دون مشروع دولة متماسك.
وبيّن أن ياسر العطا المدعوم بنفوذ كتائب الإخوان يدرك أن استمرار هذا الوضع يقود إلى انهيار مركز القيادة نفسه، لذلك يسعى معهم إلى إعادة احتكار القوة تحت مظلة القوات البرية بوصفه رئيس الأركان المشتركة، خوفًا من تحول تلك التشكيلات إلى جيوش موازية تفرض شروطها مستقبلًا على المؤسسة العسكرية.
معادلة ما بعد الحرب
وأشار إلى أن هذا الطرح يُطبق بانتقائية واضحة، إذ تحظى بعض القوات بحماية سياسية وأمنية بسبب قربها من دوائر الإسلاميين، وتحصل على استثناءات، بينما تواجه مجموعات أخرى ضغوط الدمج والتفكيك؛ ما يَظهر لـ القبة وغيره من المنشقين أن المطلوب منه التخلي عن قوته في وقت تُمنح فيه تشكيلات أخرى وضعًا خاصًّا ونفوذًا مستقلًّا، لذلك يتمسك بفكرة القوة المنفصلة مع الحفاظ على تواصل مباشر بالبرهان باعتبارها ضمانة بقاء ومصدر نفوذ سياسي وعسكري داخل معادلة ما بعد الحرب.
وذكر أن المشهد يتجاوز خلافًا شخصيًّا أو تنظيميًّا؛ بل هو صراع على شكل السلطة القادمة في السودان، وكل فصيل مسلح يحاول تثبيت نفسه مبكرًا داخل خريطة النفوذ المقبلة.
واختتم الصادق حديثه بالإشارة إلى أن المشهد الحالي أكثر تعقيدًا وخطورة؛ لأن تعدد الميليشيات هذه المرة يجري داخل معسكر السلطة نفسه؛ ما يعني أن بورتسودان والعاصمة الخرطوم تواجهان خطر التفكك من الداخل تحت ضغط السلاح الذي صنعته بيدها.




