خائنة.. خائفة

خائنة.. خائفة
صفاء الفحل
يُقال إن رئيساً دكتاتورياً قرر زيارة السوق فجأة، فدخل هناك وسأل صاحب خضار عن الأسعار فرد أنه لا يعرف السعر، فسأله كيف هذا..! فأجابه أنه فرد أمن طلبوا منه أن يمثل دور بائع الخضار، فقال الرئيس في غضب: أين رئيسك؟ فرد: إنه هناك يمثل دور (الجزار) سيدي.. ولا معنى أن يشرب البرهان (العرديب) داخل سوق؛ فالجميع صار يعرف لعبة الأمن، وأن بائع العرديب (ضابط أمن)، وأن من يقفون حوله أفراد أمن أيضاً؛ فهذا الأسلوب القديم بتصوير شعبية (للدكتاتور) تجعله سعيداً صار قديماً، ففي كثير من الأنظمة الدكتاتورية توجد وحدة كاملة داخل جهاز الأمن تسمى (الهتيفة)، وهم من يصنعون تلك الهالة حول الدكتاتور بالهتافات الحماسية المحببة لديه والالتحام الوهمي مع الجمهور للقائد (المحبوب) بالأماكن العامة، بينما في الحقيقة -رغم أن الجزء الآمر- هو جمهور مصنوع.
ولعبة دخول قائد الانقلاب دون سابق إنذار أو مؤشرات وبصورة غير بروتوكولية استاد (كوبر) خلال لقاء فريقي الأهلي مدني والمريخ بدوري النخبة، ليتحول الاستاد والمنطقة حوله إلى ثكنة عسكرية محاطة بأعداد من الأسلحة والمدرعات والجنود والأمنجية؛ الأمر الذي أربك جميع الحضور وحول المباراة لنوع من (الارتباك) بدلاً عن المتعة الكروية، حتى أن بعض الجماهير قامت بمغادرة الاستاد فور وصوله، وظل البقية في حالة (وجوم وتوتر) حتى نهاية المباراة ومغادرته، وقد ظهر ذلك الارتباك حتى على أداء اللاعبين وتشجيع المتابعين.
ويبدو أن قائد الانقلاب يحاول الهروب من (عزلة نفسية) داخلية وخوف من غدر (مجهول متوهم)، وهو يحاول صناعة (مشهد تمثيلي) في حب الشعب له، يظل يطارد (الناس) ليحتمي وسطهم؛ فما إن يعرف أن هناك تجمعاً كبيراً للمواطنين في مناسبة -داخل صلاة بمسجد كان أو استاد أو سوق أو افتتاح روضة- حتى يسارع بالتسلل إليه دون سابق إنذار وبصورة تبدو عفوية وغير مخطط لها، وما دخوله الاستاد بتلك الصورة الدرامية وبطريقة (خائنة خائفة) إلا جزء من محاولات صناعة صورة تجميلية له، ومحاولة لتحبيب المواطنين فيه.
ويبدو أن هناك مجموعة تحاول إلهاء (البرهان) عما يدور حوله وتحريكه كـ(دمية) يلتف الناس حولها وتدفعه لتصديق هذا (الحب) المصنوع، وتستخدم حب الظهور (داخله) ورغبته في سماع الناس تهتف باسمه، وتصنع هذا السور من الجماهير حوله ليتجاهل البلاد التي (تغلي) من حروب لا يعرف أحد اتجاهاتها، وغلاء طاحن ضاقت كل الأسر منه، وصحة منهارة، وخزينة خاوية تعمل وزارتها على تحريك البلاد (رزق اليوم باليوم)، وفساد يضرب كافة مرافق الدولة.. فـ(المصلحة الخاصة) في دولة بلا رقيب تقتضي أن يظل من في القمة (دايش)، أو كما نعيش اليوم.
وستظل ثورة الوعي مستمرة.
والقصاص حق لا يسقط بالتقادم.
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.




