أنْ تأتى متأخراً، خير من ألّا تأتى: هل سيفعلُها النُّوبة هذه المرّة؟

بدون زعل

أنْ تأتى متأخراً، خير من ألّا تأتى:

هل سيفعلُها النُّوبة هذه المرّة؟

عبد الحفيظ مريود

الذين زاروا “أسمرا”، العاصمة الإرتيريّة الوادعة، سيقفون – بالتأكيد – على المقابر الأثريّة للجنود الذين قضوا فى الحرب العالميّة الثانيّة، دفاعاً عن الإمبراطوريّة العظمى. إلّا أنْ تكون زيارتُك لأسمرا مرتبطة ب “أجندة”. ذلك أنَّ الأجندة تمنع السُّودانيين الزائرين من ارتكاب فعلٍ غير عملىّ، مثل مقابر الحرب العالميّة. وأغلبُ السُّودانيين، منذ استقلال إرتيريا، يذهبون لقضاء شهر العسل، أو لقضاء وقتٍ “لطيف”، ليس فى مقدورهم قضاءه فى بلدهم، بعد تحكّمات “النّظام العام”.

القبور تحمل أسماء الجنود. ليس هناك من ضبّاط، إلّا الضابط الإنجليزىّ الذى خصّصتْ له “قبّة”، لا تدانيها أىٌّ من قباب السّادة الصُّوفيّة فى السُّودان. ستلفُكَ أسماء الجنود السُّودانيين. فهم من جهةٍ واحدة، جبال النُّوبة. الأسماء (تيّة – كوكو – كافى – كرتكيلا – هبيلا …الخ). وذلك مبرّرٌ، فى سياق التنميط الذى بدأه نّظام محمّد على باشا فى السُّودان، ابتداءً من 1821م. فقد انقسمتِ الحملةُ إلى قسمين : قسمٌ يقودُه اسماعيل باشا، إبن محمد على إلى سنّار. وآخر يقودُه محمّد بك الدفتردار إلى كردفان، ليجلب “الرّجال الأشداء”، الذين يصلحون للجنديّة. اصطدمَ بالمقدوم مسلّم فى بارا، عاصمة كردفان، التى كان يحكمُها نيابةً عن سلطان الفور.

انقضتِ الحقبة التُّركيّة، بالدّولة المهديّة التى حكمت 13 عاماً. جاء الانجليز، فى أعقاب المهديّة، مستنيرين بالتّنميط التُّركىّ، فصار النُّوبة قوام الجنديّة، قوّة دفاع السُّودان، فيما صّارتِ القبائل التى رافقتْ اسماعيل باشا للقضاء على سلطنة الفونج “سنّار”، هم الأحقّ بالمرافقة، ك “متعاونين” ضدَّ بنى جلدتهم، فهم كما وصفهم مكمايكل (على استعداد للعمل تحت إمرةِ أىِّ مخدّم).

شايف كيف؟

النُّوبةُ فى التصنيف السُّودانىّ هم : عساكر جيش، بوليس، وظائف هامشيّة، عمال مشاريع زراعيّة، عمال مصانع فى المدن، غسّالين عربات، ستات شاى، خادمات فى المنازل. قليلون يمكنهم أنْ “يعافروا” للخروج من المسارات المرسومة بعناية. يمكنُ للواحد أنْ يبرع فى كُرة القدم، فيصير نجماً. على الرّغم من تعليق الأب فيليب عبّاس غبّوش – أحد أكثر سياسييْ جبال النُّوبة شهرةً – فيما يتعلّق بمكانة حامد بريمة، أشهر حرّاس المرمى فى السُّودان.

فى 1984م، انضمَّ أستاذُ الثّانويات يوسف كوّة للحركة الشّعبيّة لتحرير السُّودان، بقيادة الرّاحل د. جون قرنق. لكنْ لم ينخرطِ النُّوبة، كمقاتلين إلّا لاحقاً، وبنسبٍ ضئيلة، مقارنة بأولئك الذين ينضمُّون للجيش، أو الشُّرطة، ويموتون، دفاعاً عن دولة لا تستطيعُ أنْ تغيّر من مكانتهم. لا تجرؤ على فتح أبواب جديدة، مختلفةٍ لهم. وحين اشتدَّ أوار الحرب، بتقدّم الحركة الشّعبيّة، بعد أنْ صار عندها قيادات بارزة، ومؤثّرة :تلفون كوكو، محمد هارون كافى، عبد العزيز الحلو، عملتْ حكومة الخرطوم على تجييش النُّوبة لقتال أهلهم، بشقّهم، وتأليب آخرين من الجبال ليردعوا تقدّمات الحركة الشّعبية، فظهر كافى طيّارة، قائداً لكلاب الطّراد، نيابةً عن الخرطوم.

شايف كيف؟

تلاعبتِ الإنقاذ بالمكوّنات، لاّولِ عهدها، جاءت باللواء إبراهيم نايل إيدام، عضواً بمجلس قيادة الثَّورة. لكنّه – حسب الخارطة الموضوعة، من لدُن اسماعيل باشا – يتوجّبُ عليه أنْ يُحالَ إلى المعاش، وأنْ يتسكّعَ ضمن لجان فرعيّة، لا تحلُّ ولا تربط، مثله مثل اللواء التّجانى آدم الطّاهر، وأعضاء مجلس قيادة الثَّورة من الجنوبيين. سيتوجّبُ على مكّى علي بلايل، إبن جبال النُّوبة، وإبن الحركة الإسلاميّة، وزير التّجارة الأسبق، أنْ يخرج من العباءة، ويؤسّس حزباً مع أمين بنانى نيو، وزير الدّولة بوزارة العدل الأسبق، حزباً. ذلك لأنّ “مركز القرار” فى الحركة الاسلاميّة والمؤتمر الوطنىّ، محصورٌ، ضيّقٌ، محتَكَرٌ، لا يسمعُ إلّا صوته.

سيكونُ هناك رموزٌ من جبال النُّوبة: أسرة تاور. أو محمد مركزو كوكو، أو الفريق كبّاشى، أو المفتّش العام للجيش الذى أسَرَه الدّعم السّريع بداية الحرب، أو وزير الدّفاع الأخير الذى قدّم استقالته، أو الطيّب حسن بدوىّ، وزير الثّقافة الأسبق، فى عهد الإنقاذ، الذى يظنُّ أنْ الممثل والمخرج عوض شكسبير، هو وليم شكسبير، “ذات نفسو”.

شايف كيف؟

بالتّصنيف المنمّط للنُّوبة، ذاك، فإنَّ أكبر عرقيّة أو مكوّنٍ سودانىّ حصدتْ حربُ 15 أبريل أبناءه، همُ النُّوبة. ذلك أنَّ المتحرّكات الأولى، التى ملأتْ جثثها شوارع الخرطوم من الجيش والاحتياطىّ المركزىّ، يشكّل النُّوبة 90% منها. حتّى لم يعُدْ ” فى الكأس شيئاً تنالُه” الدّولة منهم.

وبالتّوجّهِ المظنون، ستكونُ الفرقتين فى كادقلى وأبوجبيهة، والحاميات فى الدّلنج، العبّاسيّة، أمبيرمبيطة، أو أىّ من بلدان جبال النُّوبة، عُرضةً لنيران الدّعم السّريع. السُّؤالُ هو : لماذا يجبُ أنْ يموتُ النُّوبة؟ عن أىّ امتياز سيقاتلون؟ عن أىّ وطنٍ ستتمُّ إبادتُهم يدافعون؟

شايف؟

لو صحّتْ إجراءاتُ وبيانُ “تحالف قوى جبال النُّوبة المدنىّ” – مكتوبٌ فى البيان “المدنيّة – والتى ستكونُ صفةً لجبال النُّوبة، وليس التّحالف – لو ضحّتْ، وهى تُمهلُ البرهان أيّاماً، فقط، قبل تسليم الفرق والحاميات للحركة الشّعبية، بقيادة الحلو، دون قتال، سيكونُ النُّوبةُ – أخيراً – قد فهموا الدّرسَ الأوَليّ، البَدهيّ.

كان يجبُ أنْ تنهدمَ “الدّولة”، دولة ما بعد الاستعمار، من سنين عدداً. إذْ تلك حتميّة. فقد نهضتْ على أسسٍ شائهةٍ، متهاوية. وتقومَ على أنقضاها دولة الحريّة والسّلام والعدالة. تأخّرتْ عناصرُ ومعاول هدمها، لكنّها ستتكامل. فتلك سًننُ التأريخ.

شايف كيف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com