علي مهدي يكتب : اتحاد الفنانين العرب.. رايات الاتفاق رفرفت في الأوقات بالغة التعقيد لأدوار الفنون المُمكنة

2يوليو2022م

بين دمشق الفكرة.. والقاهرة التأسيس.. وأبوظبي الإحياء والتجديد.. والقاهرة من جديد.. مسافات الاتفاق والرؤى المُشتركة

عُدت يا سادتي كما كل مرة إلى أوراقي مع التصاوير، انظر فيها التواريخ القديمة والإشارات، ومحاولاتها وسعيها من أجل البناء والتنوير، وقد أفضت كل الأوقات إلى تغييرات كبرى في مشهد الفنون القطرية والإقليمية والدولية. وكنت جالساً فيها تلك الأوقات والأحداث، غير بعيد من مركز صناعة مُوجبات التغيير، أسهم مع الآباء المؤسسين، وشريك في الفعل الفكرة، قبل الصناعة. ولأنها تلك الأيام تحتاج إلى كتابات تتعدّد فيها زوايا النظر، وأين كنت تقف لحظة صناعة الحدث؟ ومن أين لك وقتها تلك الإشارات؟ لتفهم المعاني قبل الأقوال، وما ترتّب عليها بعدها، جملة من نتائج الإيجاب، ما له لو امضي بلا تردد إلى طرف العمل المشترك المنشود؟.
والقاهرة الأحب في كل أوقات عرسها، تفتح لك الأبواب، محب لها، وتُتيح الأوقات للمُبدعين ليلتقوا في فضاءاتها الرحبة المُتعدِّدة.
والعمر يومها في اوله، لا مشقة، أو رهق الاختيارات يدفعك للتردد، الكل يرجوك العبور إلى دنيا جديدة، فاتح العقل قبل القلب لتدخلها القاهرة مدينة الأحلام لمبدعي العرب، خاصّةً وسبعينات القرن الماضي وفي خواتيمها، رقيقة الحال، وقاسية على الاختيارات. لكنها وإن تقاطعت السياسة تلك السنوات، وغابات رايات العرب عنها، إلا من أدرك أن الأمر سيعود، وقتما يعود. وهي في دلالها القاهرة الأجمل، تحيل ليالي العرب جنانًا في جنان، وشاطئًا يزداد تحنانًا، كلما لمع مبدع وأمطرت وسائط الاتصال وقتها تقدمه للناس، وتتعاظم هنا أدوارها، هي مركز الضوء. كانت قاهرة المعز، تدين للفنون والعمارة القديمة، والنيل سليل الفراديس يجري لمستقر له، ومدينة أخرى في نهايات القارة أفريقية، (الإسكندرية) تشهد هي الأخرى منارة للفنون، والسينما تاج ذاك الوقت والآن، وامشي فيها أتلفت، لا حيرة ولا إعجاب، وكأني ما كأني، أدخلها أول مرة أصحو والناس، والناس الناس في كل مكان، وافهم أن (عرس الزين) الفيلم لن يُعرض في ليالي مهرجان القاهرة الدولي للسينما، والسبعينات في خواتيمها تفتح لي أبواب جريدة (الأهرام) الكاتب الكبير كمال الملاخ يرأس المهرجان، ولَه الصفحة الأخيرة في الأهرام الجريدة، نزورها ونمضي وقتاً هناك بين الدهشة وإعجاب وانتظار ما لشيء أكبر، وقد حدث بعدها بسنواتٍ، وحوار قصير ينشر في صفحته الأخيرة الأشهر، وأعرف إشارات الانتشار حتى من غير عرض الفيلم، وأمشي فيها القاهرة صباحاً وبعض الظهيرة، والمساء بين مبدعي الامة العربية، وبعض من سينمائيي العالم، نشهد ليالي المهرجان، وتلك المرة الأولى، لكنني من يومها أصابتني لفحة المشاركات والحضور في الفضاء الإبداعي العربي والإقليمي والدولي. ويوم رجعتها مرة أخرى ولذات المهرجان، وكان الكاتب الكبير والأب المؤسس محمد سعد الدين وهبة يومها وفي الربع الأخير من ثمانينيات القرن الماضي يرأس المهرجان، وهو واحدٌ من أهم مهرجانات السينما العربية والعالمية الآن، رجعتها بعد عقد من الزمان أسهم مع مبدعي الأمة العربية في تأسيس أول كيان جامع لهم، نعم منها خرجت الفكرة، لكنها وقبلها بأشهر كنا في (دمشق) وما أدراك ما فندق الشام والناس الأجمل.
وبين مدينتين أحببت فيهما كل شيءٍ، القاهرة ودمشق، أدركت الآن أنني طرفٌ صادقٌ في ذاك الحدث التاريخي الكبير، نكتب للهزائم، ثم لما تلوح رايات الانتصار ننظر بعيداً، ننتظر اكتشاف المعادن الثمينة، ولا أثمن من أغنيات وموسيقات وقصائد وحكايات وتشخيص لروايات تحيل المسارح الى حياة من الخيال أجملَ.
وتلك الإشارة الأهم في دهليزي الذي اُكرس الأسطر والتواريخ فيه، لواحدة من أهم منظمات المجتمع المدني الثقافي والإبداعي العربي، يوم اتفق الفنانون العرب، على اعلان (الاتحاد العام للفنانين العرب) لتكون القاهرة مقراً له، وليجد كل دعم من أهل الفنون في مصر من النقابات الفنية، ثم اتحادهم العام للنقابات الفنية، ثم الأهم الوعي الكبير من الحكومة المصرية وأجهزتها، وأهمها وزارة الثقافة المصرية، وغيرها من الوزارات والأجهزة الحكومية المصرية بأهمية لقاء مبدعي الامة العربية على أرض مصر، ليحققوا في أوقات بالغة التعقيد، أول اتفاق عربي في عصر ذهبت السياسات بالفكر العربي نحو الاختلاف، وخرجت رايات العرب منها القاهرة مقاطعة وتعزيزاً لفكرة الاختلاف، ولكن الناس، الناس العرب كما هم فيها (القاهرة)، يمشون فيها بلا تردد، تصنع الحكومات الفرقة والتوحش، ويصنع الإنسان العربي اللقاء، وينظر بعين المستقبل للغد الممكن، غداً لا في قرار، لكنه في وعي، يقدمه الإنسان بلا حدود، نعم.
ودمشق الأحب تمشي فيها وأهلها الأجمل في كل شيء، يحتفوا بالفكر المجيد، جئتها مرارًا، وسكنتها، ولي مكتب أزورها يوم كنت أميناً عاماً للاتحاد العام للفنانين العرب، مكتبي لم يكن بعيداً عن فندقي الأشهر فندق (الشام)، ومقر نقابة الفنانين، وكنت أزورها في خواتيم ثمانينات القرن الماضي، تحتفي هي بمهرجانها الأشهر للسينما، وكنت تلقّيت الدعوة الكريمة من أهلها وقد عرفوا وشاهدوا فيلم (عرس الزين) في دُور العرض، وصلتها مباشرةً من البقعة المباركة، وشهدت الافتتاح، ثمّ لبّيت دعوة كريمة لحضور الاجتماع، عندي وفي باب التواريخ المكتوبة لاتحاد الفنانين العرب هو الأول، جلستنا تلك في نوفمبر، والشتاء فيها ماطرٌ، والناس في بهو الفندق في انتظار النتائج، ثم خرجنا وقلنا، إننا اتفقنا أن نعاود اللقاءات هنا أو في القاهرة عامنا التالي وقد كان، كنت يومها نائباً لرئيس اتحاد الممثلين السودانيين. ثم غبت عنها (دمشق) وهي تشهد مهرجانها للمسرح، وعُقد لقاءٌ آخر في نوفمبر، وكانت هناك مسودة النظام الأساسي للاتحاد، ثم جئنا للقاهرة في ديسمبر بعد شهر واحدٍ، نشهد مهرجانها الدولي للسينما، والراحل المؤسس سعد وهبة يسعى بكل الممكن لانعقاد الجمعية العمومية الأولى، وكنا حضوراً، ودوّنت بيدي محاضر الاجتماعات، وجلست الى الأحباب، وقتها، مهندسو النظام الأساسي للاتحاد شركاء في كل الترتيبات خاصة بناء أجواء التوافق الممكن، كانوا رموز الفنون العربية، نقباء ورؤساء اتحادات وجمعيات وروابط، وكل ما يشكل وقتها تجمعا أو كيانا للمبدعين في البلدان العربية، ثم اتفقنا، نعم اتفقنا، بعد أن دخلنا هنا، وخرجنا هناك، ولكن الأمر تم.
وفي الثامن عشر من ديسمبر عام 1986، وفي القاهرة، تم إعلان ميلاد الاتحاد العام للفنانين العرب، وكان الراحل سعد وهبة أول رئيس له مع أربعة نواب للرئيس، وأمين عام، وثلاثة نواب للأمين العام، وأمين المال من مصر، وأعضاء المجلس التنفيذي من الدول المؤسسة، والتي حضرت المؤتمر التأسيسي الأول في فندق (ماريوت) بالقاهرة.
منحت الحكومة المصرية كل المساعدات الممكنة ليقوم الاتحاد بأدواره المنصوص عنها في نظامه الأساسي وفي خاطر وأحلام المبدعين العرب، فخرجت الأفكار، فكانت التجربة الإنتاجية العربية الكبرى مسرحية (وا قدساه) كتبها يسري الجندي، وأخرجها المنصف السويسي، وضمت نجوم المسرح العربي من كل عواصم العرب، وجاءت في أوقات مهمة في تواريخ السياسة العربية، وفلسطين تشهد ثورة الحجارة، والانتفاضة تمشي بأجيال تنشد الخلاص. وكان العرض الأول لها على خشبة المسرح القومي بالقاهرة، ثم دمشق وعمان وبغداد. ثم كان مؤتمر حماية المقدسات الدينية في فلسطين، من أهم الملتقيات العلمية العالمية، وفي تعاون بين الاتحاد ومنظمة التحرير الفلسطينية وقتها، وخرجت العديد من الكتب، وسعي كبير لاستمرار مجلة الفنون العربية.
وانظر الآن بكثير من التقدير لأدوار يسعى الاتحاد ليلعبها، وقد استقر في مقره الجديد في واحد من اجمل مباني القاهرة العتيقة في وسط البلد، وقد نجح سعادة الرئيس الدكتور الفنان مسعد فودة، ونوابه وسعادة الأمين العام ومساعده، أن يحركوا الساكن في الساحة الإبداعية العربية، لإحياء الأنشطة والبرامج المشتركة وبناء شبكة تعاون كبير مع المنظمات الإقليمية والدولية خاصة ذات الصلة بالفنون والفكر.
إن أدوار الاتحاد العام للفنانين العرب تتعاظم الآن، خاصةً وأن مرحلة التأسيس دفعت بالعمل، ثم مرحلة الميلاد الثاني الآن ستسهم إن شاء الله في تجديد علاقات الاتحاد، وهو قادرٌ الآن بدعم المراكز القطرية، والاتحادات النوعية، وشراكاته المُستنيرة مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليسكو)،
والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (اسيسكو)، ثم بناء علاقات طيبة مع منظمات الأمم المتحدة في (اليونسكو والوايبو)، ومنظمة الوحدة الأفريقية والمنظمات المعنية بالثقافة والفنون في آسيا الكبرى، وغيرها من المنظمات التي ترتبط أو تتشارك معه الأفكار.
دهاليزي وإن تعطّرت لذكرى حلوة من عند المدائن الأحب، ينظر بكثير من الود لها وأهلها…
ودام الود قديمه والمتجدد.

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى