دعوة فولكر لقيام الانتخابات العامّة قبل موعدها.. بين المُمكن والمُستحيل!!

 

تقرير: مريم أبشر     13ديسمبر2021م

باتت في الآونة الأخيرة تتصاعد وتيرة الحديث تلميحاً وتصريحاً من قبل الفاعلين في المشهد السياسي السوداني، حول امكانية عقد الانتخابات العامة في السودان قبل الموعد الذي حدد له في يوليو 2023 وفق الإعلان السياسي الموقع بين البرهان وحمدوك في الحادي والعشرين من نوفمبر الماضي، في وقت اعتبرت فيه قوى سياسية الحديث عن قيام انتخابات في الوقت الراهن هروبا من الأزمة ويأتي الحديث المؤيد والرافض لقيام الانتخابات في خضم وضع سياسي مُعقّد يعيش فيه الوضع الانتقالي بالسودان في أعقاب الإجراءات التي اتخذها البرهان في الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي، حيث لا يزال المناخ السياسي يعيش سيولة عامة, ولم يتم تشكيل حكومة تنفيذية حتى الآن رغم مرور ثلاثة أسابيع على اتفاق حمدوك والبرهان، بجانب سيولة أمنية تتمثل في بؤر توترات أمنية في عدد من ولايات دارفور وكردفان, وتهديدات الشرق بإمكانية معاودة الإغلاق إن لم تستجب الحكومة لشروطها, أضف إلى ذلك فإنّ حالةً من الغليان الثوري  تسود الشارع الرافض للحكومة الانتقالية على اعتبار أنّها تشرعن للانقلاب.

مؤشرات فولكر

أشار الممثل الخاص للأمين العام للامم المتحدة فولكر بيرتس رئيس بعثة “يونيتامس” حسب “افريكان نيوز” في إحاطة لمجلس الأمن الدولي الى  ثلاثة مؤشرات مهمة يجب مراقبتها للتأكد من العودة إلى المسار الانتقالي في السودان, وقال إنها تتمثل في قدرة رئيس الوزراء في تشكيل حكومة تكنوقراط بحرية ورفع حالة الطوارئ المعلنة بموجب اجراءات البرهان واستعادة حرية التعبير, لافتاً الى إمكانية إجراء الانتخابات في موعد أقرب من المخطط له, وأضاف أنّه خلال الأشهر القليلة القادمة فإن المؤشر الرئيسي للعودة الى مسار انتقال ديمقراطي سيكون استعادة الفضاء السياسي وهو أمرٌ مهمٌ بشكل خاص قبل الانتخابات في يوليو 2023 المُعلن في الاعلان السياسي عندما يتم تسليم السلطة لمدني مُنتخب, وزاد بقوله: إن الانتخابات قد تُعقد في وقتٍ مُبكِّرٍ من المخطط لها.

رفض الأحزاب

الدعوات المتواترة لإجراء انتخابات مبكرة بالسودان, قوبلت بالرفض القاطع, حيث ظلت تصدر من حين لآخر بالرفض القاطع من غالبية القوى السياسية، مُعتبرةً أن مثل هذه الدعوات لا تخرج عن كونها مُناورة سياسية، بل ذهب البعض لوصفها بالانقلاب على الاتفاقيات التي وقّعتها قوى المعارضة الخاصة بالفترة الانتقالية، والتي جرى التوافق عليها لتهيئة البلاد للانتخابات من خلال وضع قوانين تُساعد في الوصول إلى الديمقراطية المنشودة.

ويرى خبراء أن تنظيم انتخابات عامة بطريقة شفّافة ونزيهة يستوجب مطلوبات محدّدة أبرزها، إعداد إجراء تعداد سكاني في كل أنحاء البلاد، وضع قانون متفق عليه بين القوى السياسية، وإنشاء مفوضية خاصة للانتخابات تتولى هذه العملية، وتهيئة المناخ الحُر الذي يُتيح للأحزاب والأفراد حرية الاتصال والتنقل وإقامة الندوات, ويرون ان قيام الانتخابات استحقاقٌ سياسيٌّ يتطلب شروطاً محددة سياسية واقتصادية وقانونية, فضلاً عن تهيئة المناخ الخاص بالحريات وتطبيق المعايير الدولية والحقوق الأساسية.

التفاف

وحسب مراقبين, فإن إمكانية إقامة انتخابات مبكرة كما يرى فولكر بيرتس  في ظل تعقيدات الفترة الانتقالية الراهنة غير ممكن، وان الافضل ان تتوصل المساعي الجارية حالياً بين القوى السياسية  لاتفاق حول مختلف القضايا الخلافية من أجل تمهيد الطريق أمام الانتقال السلمي وإدارة الفترة الانتقالية بشكل سلس, والاتفاق بشأن اقامة الانتخابات في أجواء نقية بقدر الإمكان بعيداً عن حالة الاستقطاب السياسي والشحن الذي يسود الوسط السياسي الراهن، فضلاً عن أن قيام انتخابات بعد حكم شمولي استمر ثلاثة عقود وفي ظل أزمات تُحيط بالبلاد من كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تحدق بالبلاد يحتاج إلى تهيئة كاملة وأجواء مثالية.

هروب

الحزب الشيوعي اعتبر بشكل صريح أن قيام انتخابات عامة مبكرة في ظل الوضع الراهن يمثل هروبا من الازمة الوطنية وتزويرا للإرادة الشعبية, وقال الشيوعي في بيان له إن قيام الانتخابات في هذه الظروف سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الراهنة, فضلاً عن بقاء عناصر النظام الانقلابي وحلفائهم في السلطة, وعدّد الشيوعي خمسة مطلوبات لإجراء الانتخابات حصرها في إسقاط النظام الحالي وتفكيك نظام الإنقاذ وحل المليشيات وتسريحها وإعادة دمجها في القوات المسلحة والقصاص للشهداء, فضلاً عن إعادة النازحين لقراهم وقيام المؤتمر الدستوري والتعداد السكاني.

استحالة

أستاذ العلاقات العامة والخبير الأكاديمي الدكتور صلاح الدومة يرى في حديثه لـ”الصيحة”, استحالة قيام انتخابات قبل الموعد المحدد حتى وإن سارت الأمور كما يرام, ويعتقد أن من يرون قيامها ممكن, يريدون انتخابات شائهة لإرجاع عناصر المؤتمر الوطني, مضيفاً أن الانتخابات تتطلب تعدادا سكانيا وسجلا انتخابيا ومؤتمرا دستوريا، قبل ذلك إعداد قانون للانتخابات وقيام المفوضية, فضلاً عن تهيئة البيئة الصالحة من توفير للأمن في كل بقاع السودان، لجهة ان الانتخابات تُقام في كل الأصقاع, وزاد: هذا لن يتأتى إذا لم يتم توحيد ودمج الجيش والشرطة وجهاز امن مهني, ولفت الى ان القيام بهذه المطلوبات يحتاج لوقت كافٍ حتى وإن سارت الأمور بشكل مرتب. ونفى الدومة أن يكون رفض قيام الانتخابات مبكرة بسبب عدم جاهزية الأحزاب لخوضهاِ, وأكد أن الأحزاب الكبيرة قائمة على الولاء والأيديولوجيا ويمكنها تحريك قواعدها في أي وقت تريد, واعتبر أي قوى سياسية ترى انها غير جاهزة يجب أن لا تسمى أحزابا وإنما ناشطون يسعون لخدمة مصالحهم عبر الضوضاء.

دعوة للفوضى

اتفق الدكتور عبد الرحمن أبو خريس أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بالجامعات مع الآراء التي تقول باستحالة قيام الانتخابات, عازيا ذلك في حديثه لـ”الصيحة” لعدم استقرار الأوضاع السياسية, وزاد: إجرائياً ممكن ولكن عملياً مستحيل, ولفت الى أن الأوضاع بدارفور غير مستقرة ومضطربة، أضف الى ذلك فإن اتفاق جوبا لم ينفذ جيداً, وكما تبعثرت وتناثرت الحاضنة السياسية, وإن الأوضاع باتت على كف عفريت مع رفض معظم القوى لاتفاق البرهان وحمدوك, واشار الى ان دعوة فولكر تدل على انه غير مدرك لطبيعة الاوضاع او لديه اجندة اخرى لخلق فوضى خلاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى