آمال عباس تكتب: وقفات مُهمّة وقفة بعد مسيرة 192 أسبوعاً

أعزائي.. كان اتفاقنا بأن نواصل وقفاتنا مع قضية النساء في العالم تحت عنوان (طبقة النساء), ولكن اليوم يصادف صبيحة احتفالاتنا بعيد الثورة وبما أن هذا اليوم كان بداية تحوُّل شعب السودان من كم عرضي إلى كيف صانع لتاريخ السودان الحبيب.. لذا أسمحوا لي بأن أزف لكم حار التهاني وعاطر الأمنيات ولنقف معاً على هذا الحدث الكبير.

جميع الثورات ترسم انعطافاً حاداً في حياة الجماهير وبقدر جدية هذا الانعطاف تكون الثورة حقيقيّة.. وكما أنّ أيِّ تجربة في حياة الإنسان تعلمه أشياء كثيرة.. وتجعله يتحمّل كثيراً أو يبتهج كثيراً.. كذلك الثورة تلقن مجموع الشعب بأسره وفي وقتٍ قصيرٍ, أكثر الدروس مُحتوىً وفائدةً.

وفي مسيرة ثورة مايو الاشتراكية في السودان, تعلّم الملايين من الناس السودانيين كل أسبوع أكثر مما يتعلمون في سنة من الحياة العادية.. إن كل عامل واع وكل فلاح واع وكل جندي واع وكل متعلم واع وكل تاجر واع, عليه أن يفكر جدياً في دروس الثورة السودانية.. في دروس ثورة مايو وخاصةً الآن وهي تستقبل عامها الخامس.. وحيث ظهر بوضوح أن المرحلة الأولى من الثورة قد انتهت والجانب الإيجابي يُرجّح بشكل واضح على الجانب السلبي.. وطالما أن الثورة في الفهم البسيط أنها حركة شعب حيّة عرضة للوقوع في الأخطاء ولكنها بالقطع لم تكن أخطاءً مُتعمِّدةً, وإنما هي أخطاء ممارسات مهما عظمت يجب علينا ألا نُسلِّط عليها الضوء أكثر مما يجب من غير أن نعمل على الاستفادة منها وتخطيها بأسرع ما يُمكن من الوقت.

وبالفعل لنرى ماذا رفعت ثورة مايو من شعارات.. وما الشيء الذي أرادته جماهير الشعب السوداني من الثورة وحصلت عليه.. وما الشيء الذي ننتظره من الثورة؟ والثورة جادّة في سبيل تحقيقه والجماهير لا تأمل ولا تتطلع إلى أكثر من الحرية والسلم والخبز والسكن.. والعلم خلال مسيرة 192 أسبوعاً تعلّمت جماهير الشعب السوداني ما كانت ستتعلّمه خلال 192 عاماً إن لم تحسم أزمة الحكم في ذاك الصباح الأغر.. صباح الخامس والعشرين من مايو عام 1969م يوم حسمت الطليعة الثورية في القوات المسلحة بقيادة الأخ جعفر نميري أزمة التِّيه والضَياع التي كانت تُمارسها أنظمة الحكم آنذاك.. وكان حسماً لصالح مجموع الشعب السوداني.

ومن اليوم الأول قطعت الثورة على نفسها العهد بأن تسير في الطريق الاشتراكي, وأن تضع السلطة كل السلطة في يد جماهير الشعب السوداني, وبالفعل شرعت الثورة وبجدية تزيح في العراقيل الأساسية وتصفي بقايا النظام السالف المتمثلة في احتكارية البنوك والقوى السياسية للطائفية والإدارة الأهلية.. وكانت الحصيلة كالآتي:

  • إعلان حل مشكلة الجنوب في إطار الحكم الذاتي الإقليمي سعياً لوحدة القطر وإحلال السلام على ربوعه.
  • التأميم والمُصادرات, تحريراً للاقتصاد الوطني وفتحاً لآفاق جديدة في سبيل التحوُّل الاجتماعي.
  • الإصلاح الزراعي تحريراً لأهل الريف والمُزارعين من الاستغلال والغُبن.
  • الثورة التعليمية توسيعاً لقاعدة المعرفة وبدأ في خلق المواطن الصالح.
  • الثورة الثقافية دعماً للتراث السوداني وتحريراً للإنسان السوداني من أسر الإيمانات المعوقة للانطلاقة الكُبرى نحو المُجتمع الفاضل.
  • الثورة التنظيمية تجميعاً وترشيداً لطاقات السودانيين تحت راية الاتحاد الاشتراكي السوداني تحالفاً لقوى الشعب العاملة على هدى ميثاق عمل وطني واضح ونظام أساسي يحكم التنظيم وفق دستور تقدُّمي يؤكد اشتراكية الثورة وجديتها في نقل السُّلطة لجماهير الشعب.
  • الثورة الصحية اهتماماً بصحة الإنسان باعتباره أقيم وأعظم رأسمال في الحياة والثورة.
  • الثورة الإدارية معبراً لممارسة الشعب للسُّلطة على مُستوى الحي والمدينة والمنطقة.
  • الأجر المُتساوي والخدمة المعاشية للمرأة.

والأخيرة أنا اعتبرها ثورة في حقيقتها داخل قانون الخدمة العامة.. ثورة في حَدِّ ذاتها ودليلاً جديداً ومصداقاً لطبيعة نظام ثورة مايو وجديته في إحداث الثورة الاجتماعية الكاملة والتي يَستحيل بدونها إحداث أيِّ خطوات إيجابية في سبيل البناء الاشتراكي.

هذا سِجِلٌ مُوجزٌ جداً للأحداث التي صنعتها ثورة مايو في مسيرتها القصيرة هذه.. وهذا السِّجل يقطع بأنها ثورة.. وثورة تقدمية على النطاق الداخلي زائداً السياسة الخارجية التحرُّرية التي تقف ضد الاستعمار بشقيه القديم والحديث.. والتي تُساند القضايا التحرريّة في جميع أنحاء العالم.. والتي تُحارب وتُناهض التفرقة العُنصرية وفوق هذا إنها ثورة.. لأنها كانت وليداً جميلاً بعد مخاض ثوري عنيف وكانت حسماً لوضعٍ مُتفجِّر.. وكانت تحرُّكاً صادقاً في مجال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بقي لنا أن نُبرهن بالعمل كل في مجاله, لا بالكلام عن وقوفنا وحمايتنا لهذه المنجزات العظيمة.. وجب علينا ونحن نعتبر أنفسنا ثوريين أن لا نتوقّع السير في طريق ممدة ومفروشة بالرياحين والزهور.. بل يجب أن نكون على يقين ان الذي ينتظرنا من عملٍ ومن مُعاناةٍ ومن صمود أكثر مما سلف.. وليكن في بالنا دائماً السودان بكل عظمته وتاريخه المُشرف ومستقبله الأكثر إشراقاً بعزمنا ونكراننا لذواتنا الفانية.. فالخلود والبقاء للسوان الاشتراكي.

ولنقل كلنا للسيد الرئيس سوف تسمع أصوات مطارقنا وأزاميلنا, وسوف تسمع دوي المصانع وأصوات أقدامنا الذي لا ينقطع في المزارع, وسوف تسمع صرير أقلامنا شعراً وبحثاً وقصة ونحن نعمل ونعمل ولا نرضى بالاشتراكية بديلاً ولا نرحم مَن يقف في سبيل وصولنا لأملنا الكبير ولتبقى ثورة مايو منارةً مشعةً.. والمجد للشعب السوداني وكل عام والجميع بخير, فالمستقبل أخضر, لا أشك في ذلك مُطلقاً.

  • من التراث

في كتاب العربية في السودان للمرحوم الشيخ عبد الله عبد الرحمن الأمين الضرير جاء في الفصل السابع تحت عنوان (من الألعاب) من اللعب في السودان (أبو الشليل أو شل), وصفها أن يتفقوا على عظم أبيض يأخذه أحدهم ويقف الباقون ناصية عنه ويقول لهم (أبو الشليل وينو), فيجيبونه (خطفو الدودو), فيصيح فيهم (أبو الشليل وين راح), فيجيبونه أيضاً (خطفو التمساح), ويكون قد رمى بالعظم بعيداً في أثناء جلبتهم وصياحهم والغرض من صياحه وصياحهم ألا يسمعوا صوت سقوطه على الأرض فيهتدون إليه ثم يتفرقون في طلبه فمن وجده فله القمر.. ولا تلعب هذه اللعبة إلا في الليالى المُقمرة, وأبو الشليل أو شل اسم للعظم وهذه اللعبة هي التي تسميها العرب “عظم وضاع” جاء من لسان العرب, قال الأصمعي يقال في الأرض أو ضاع ما إذا كان فيها شيء أبيض وفي حديث المبعث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعب وهو صغير مع الغلمان بعظم وضاح وهي لعبة لصبيان الأعراب يعمدون إلى عظم أبيض ويرمونه في ظلمة الليل ثم يتفرقون في طلبه فمن وجده منهم فله القمر قال ورأيت الصبيان يصغرونه فيقولون عظيم وضاح قال وأنشدني بعضهم:

(عظيم وضاح ضحن الليلة ولا نضحن بعدها من ليلة)

مربع شعر:

قال محلق شاعر الحمران الذي اشتهر بوفائه لمحبوبته تاجوج:

يقطع بالفاس واجر بي ايدي

وبزرب بيت أمك الباقي مزار للحي

بابلالة مصاريني التلن شيء شيء

أنا كسلا وانت ريرا المقابلة الصي

مقطع شعر:

من ديوان أمتي للشاعر محمد المكي إبراهيم ومن قصيدته أناشيد لأكتوبر إليكم هذا المقطع:

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ

من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ

من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ

جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ

المستميتِ على المبادئ مؤمنا

المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا

جيلي أنا…

******

هزم المحالاتِ العتيقة وانتضى سيفَ الوثوقِ مُطاعنا

ومشى لباحات الخلودِ عيونهُ مفتوحةٌ

وصدوره مكشوفةٌ بجراحها متزينهْ

متخيراً وعر الدروب.. وسائراً فوق الرصاص منافحاً

جيل العطاءِ لك البطولاتُ الكبيرةُ والجراحُ الصادحهْ

ولك الحضورُ هنا بقلب العصر فوق طلوله المتناوحهْ

ولك التفرُّد فوق صهوات الخيول روامحا

جيل العطاءْ…

أبداً يزلُّ المستحيل لعزمنا.. وسننتصرْ

وسنبدعُ الدنيا الجديدةَ وفقَ ما نهوى

ونحمل عبءَ أن نبني الحياة ونبتكرْ

من أمثالنا:

العَترة بتصلح المشي

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى