منى أبوزيد تكتب : دورك في الطابور..!

“أقرب موارد العدل القياس على النفس”.. جمال الدين الأفغاني..!
كان رفض العقاد لشعر التفعيلة صارماً وباتراً، وقد انسحب ذلك الرفض على قراراته عندما كان مقرراً للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب في مصر، مطلع الستينيات، فكان يحيل قصائد التفعيلة – التي كانت تسمى وقتها بالشعر الحر – إلى لجنة النثر. وكان من ضحايا موقفه ذاك الشاعران الكبيران صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. وظلت مكانة العقاد تنتصر عليهما في كل مرة، إلى أن جاء يوم قرر فيه يوسف السباعي – الذي كان أميناً عاماً لذات المجلس – إرسال شاعري التفعيلة إلى دمشق لتمثيل مصر في أحد مهرجانات الشعر..!
غضب العقاد غضباً شديداً وهدد بتقديم استقالته في حال تمكن هذان المتشاعران – بحسبه – من الصعود إلى منصة المهرجان وتقديم ما كانا يسميانه شعراً باسم مصر. فاضطر يوسف السباعي إلى الرضوخ وقام بمنع الشاعرين الموفدين من لقاء الجمهور في دمشق التي كانا قد وصلا إليها بالفعل، وهنا كان السيل قد بلغ الزُّبى واستوى الماء والحجر. فعاد الشاعران إلى القاهرة، وكتب صلاح عبد الصبور مقالات في نقد جبروت العقاد وسُوء استغلاله للسلطة، بينما دبج أحمد عبد المعطي حجازي قصيدةً عمودية من بحر البسيط في هجاء العقاد..!
وقد اختار حجازي بحر البسيط لأنه بعيد عن التفعيلة لإثبات مقدرته على قرض الشعر العمودي إن هو شاء. وفيها يقول “من أي بحر عصي الريح تطلبه، إن كنت تبكي عليه نحن نكتبه”، “تعيش في عصرنا ضيفاً وتشتمنا، أنا بإيقاعنا نشدو ونطربه”. وكان رد العقاد – ساخراً – “بل أنتم الذين تعيشون في عصر العقاد”. ثم انقضى عصره وجاء عصر جديد تبوأت فيه قصيدة التفعيلة مكانةً رفيعة يكتبها عظماء الشعر الحديث – محمود درويش مثالاً – وتبوأ فيه أحمد عبد المعطي حجازي رئاسة ذات اللجنة التي كان يرأسها العقاد. ثم ظهرت في عهده قصيدة النثر، فناصبها ذات العداء، وقال بأنها خرساء، وحاكى فعل العقاد بإقصاء كتابها..!
فهل ينفي القدح في عدالة موقف العقاد من شعر التفعيلة حقيقة أنه كان شاعراً مجيداً للشعر العامودي، وهل ينفي القدح في عدالة موقف حجازي من قصيدة النثر حقيقة أنه شاعر مجيد لشعر التفعيلة؟. كلا بطبيعة الحال، لكن الذي ينفيه القدح في عدالة موقف هذا أو موقف ذاك هو امتلاك كل منهما لناصية الحكمة على النحو الذي يستحيل معه الخطأ في تقدير المواقف. وهذا هو حال نسبية الخطأ والصواب في مواقف البشر الخطائين!..
أذكر أن محاور برنامج “زيارة خاصة” على قناة “الجزيرة” سأل السيد الإمام “الصادق المهدي” – رحمه الله – ذات استضافة، عن مفارقة اعتراضه السابق “في نهاية الستينيات” على مبدأ الجمع بين الإمامة ورئاسة الحزب في عهد الإمام الهادي، ثم حرصه على الجمع بين ذات الإمامة وذات الرئاسة في عهده هو. وهو كما ترى سؤال لن يجد من يحاول الإجابة عليه صيغة تخرجه من دائرة الإقرار بالخطأ في أحد الموقفين..!
وقد لاحظتُ – أيضاً – أن الكثير من معارضي الأمس ومظاليم عهد الإنقاذ ومرتادي سجونها لا مانع لديهم اليوم من تكرار ذات الفعل وبذات الكيفية مع غيرهم من الذين تبادلوا معهم نفس الكراسي السياسية في عهد الثورة. حتى وإن جاء ذلك مصحوباً بتجاوزات فادحة في بعض الإجراءات القانونية أو الأخلاقية حتى, وهي على كل حال مواقف شائعة في شؤون وشجون الطبيعة الإنسانية، تتغير بحسب موقع متخذها من زاوية الحدث..!
وعن هذا الضرب من السلوك الإنساني في كيفية النظر إلى مجريات الأمور يقول الكاتب المصري الراحل “أنيس منصور” إنّ لكل إنسان جانباً خاصاً ينظر منه وينظر إليه وهو في نفس الوقت يجعلنا ننظر إليه من زاويته هو”. وهذا هو بالضبط معنى أن لا تتجاوز صغائر النفس الأمّارة بالسُّوء بالارتفاع بوعيك، فتعلن فرحك، أو تظهر سخطك، وفقاً لمقتضيات دورك في ذات الطابور..!

munaabuzaid2@gmail.com

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!