صديق البادي يكتب.. تحذيرات د. مهاتير محمد وأمنيات وأحلام د. حمدوك (1)

 دكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا هو باعث نهضتها الحديثة وباني مجدها الباذخ، وقد قفز بها قفزة عالية في كافة المجالات وأحدث فيها طفرة اقتصادية هائلة وبلغ بها الثريا وارتفع فيها مستوى دخل الفرد لأعلى المستويات والمعدلات، ومرد ذلك أنه وضع سياسة واقعية وبرنامجاً واضح المعالم وركز في البداية على التعليم وأحدث فيه نهضة شاملة كان من ثمراتها اليانعة وقطوفها الدانية تخريج ووجود أعداد ضخمة من العلماء والخبراء في شتى المجالات والتخصصات واهتم كذلك بالتعليم الفني والتقني، وأدى هذا لوجود أعداد كبيرة من الفنيين والتقنيين من ذوي القدرات العالية والتأهيل الرفيع، وبالقدوة الحسنة والقيادة الحكيمة الحازمة المنضبطة التي أرساها دكتور مهاتير اتجه الجميع للعمل والإنتاج والبناء والتنمية والنهضة الشاملة بلا ضجيج وعجيج وصخب وبلا تصريحات نارية تطلق في لحظات انفعالية ليتم الرد عليها بتصريحات مضادة وبانفعال زائد.

ودكتور مهاتير محمد كان ولا زال هو القائد الحكيم المحنك والزعيم القدوة وعندما زار السودان قبل عدة سنوات إبان العهد الفائت، طُلب منه تقديم محاضرة عن تجربته الناجحة في ماليزيا واستجاب للطلب واكتظت القاعة التي أقيمت فيها المحاضرة بجموع غفيرة من المسؤولين في الدولة والمواطنين وثرثر من قام بتقديمه ولم يوجز ويختصر وعندما اعتلى دكتور مهاتير المنصة في وقار وتؤدة وهيبة جذب وبهر المستمعين بتقديمه محاضرة راقية وافية كافية حوت الخلاصة بطريقة ما قل ودل في عشر دقائق فقط.. واستطاع دكتور مهاتير أن يرسي دعائم وحدة وطنية ماليزية راسخة ويقيم سياسة خارجية متوازنة فيها ندية واعتداد بالعزة الوطنية دون انكسار أو دونية لمحور دولي أو لدولة أخرى مهما بلغت قوتها ولم يخضع لإملاءات البنك الدولي أو ينفذ فاتورة صندوق النقد الدولي. والقوى الأجنبية بدولها ومنظماتها وصناديق تمويلها تتعامل باحترام وتعمل (ألف حساب للأقوياء) مثل ماليزيا بقيادة دكتور مهاتير وتتعامل بازدراء واستخفاف وابتزاز مع الضعفاء ومن يدير لها ظهره تقبل عليه ومن يلهث خلفها تهمله وتدبر عنه وتدير له ظهرها.

ومن خلاصة تجربته الطويلة مع البنوك وصناديق التمويل الدولية وجه نصيحة مفادها أن أي دولة تنساق خلفها فإن التضخم سيبلغ مداه الأقصى، ويحدث فيها انهيار اقتصادي، والشواهد على ذلك عديدة، وتبعاً لذلك فإننا الآن أمام تجربتين مختلفتين ومدرستين متباينتين إحداهما هي المدرسة التي أرسى دعائمها دكتور مهاتير محمد، وهي لا تخضع لإملاءات الخارج، ولا تعتمد وتعول على قروض ومنح ومساعدات الآخرين والمدرسة الأخرى ومن بين تلاميذها الأوفياء دكتور عبد الله حمدوك فإنها تضع بيضها في سلال الآخرين وتعول على قروض ومنح وهبات ومساعدات الخواجات وغيرهم، وكان حصادها منهم كحصاد الهشيم، وبكل أسف فإنها لم تركز على استثمار موارد الداخل وهي ثرة غنية ومتنوعة، وأهملت قطاعات الإنتاج والمنتجين. والموسم الزراعي الصيفي في القطاعين المروي والمطري قد بدأ أو كاد وهو الآن في كف عفريت!

ودكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء هو المسؤول الأول في الجهاز التنفيذي بالدولة، وتقع على عاتقه مسؤولية كبيرة، وقد شغل موقعه التنفيذي الرفيع هذا قبل واحد وعشرين شهراً، وهو من مواليد منطقة الدبيبات بجنوب كردفان، وينتمي لقبيلة كنانة ذات الوجود الأكبر بعدد من ولايات الإقليم الأوسط، وتخرج في كلية الزراعة بجامعة الخرطوم في عام 1981م قبل أربعين عاماً أمضى جلها خارج السودان وبعد تخرجه عمل لسنوات بكردفان وذهب بعد ذلك في بعثة دراسية ببريطانيا، ونال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي وهو قطعاً مؤهل علمياً وعندما كان طالباً بجامعة الخرطوم كان عضواً قاعدياً وليس قيادياً بالحزب الشيوعي، ومن حقه أن ينتمي لأي حزب أو تنظيم يريد الانضمام إليه، وليس هناك وصي عليه ولا على غيره وعمل بالخارج وآخر موقع تقلده كموظف تابع للأمم المتحدة كان مقره بأديس ابابا ولم يكن معارضاً أو ناشطاً سياسياً، ولكنه كالآخرين يمكن في مجالس الأنس أن يتعرضوا لمواضيع سياسية. وإبان الأزمات والاختناق السياسي والطريق المسدود الذي وصل إليه الرئيس السابق ونظامه وتسبب في هذه الأزمات والاختناقات جزئياً بعض أعوانه الذين أبعدهم من السلطة في مفاصلة ناعمة وسعوا للضغط عليه ليعيدهم أو يسقطوه ويبعدوه ولذلك أخذ يتخبط في سياساته وتعييناته، وفي ظل تلك الظروف قدمت الأستاذة أميرة الفاضل اسمه ليشغل منصب وزير المالية، وقد جمعهما العمل بأديس أبابا وتبنى دكتور فيصل إبراهيم هذا الترشيح بحكم موقعه القيادي في ذلك الوقت لأن زمالة قديمة ربطتهما عندما كانا يدرسان في شمبات، ودكتور فيصل في كلية البيطرة ودكتور عبد الله حمدوك في كلية الزراعة، ووافق الرئيس السابق على هذا الترشيح وأعلن حمدوك موافقته ولكن لظروف تتعلق بوظيفته من تسويات وحقوق اعتذر لهم بطريقة مهذبة وأعلن أنه سيقوم بتقديم أية خدمة تطلب منه، وكان أميناً مع نفسه، ولم يعلن أنه معارض أو مناضل. وهذا الترشيح جعل اسمه معروفاً وعلى طرف كل لسان. وعند انتصار ثورة التغيير وانطواء صفحة العهد السابق وفتح صفحة النظام الانتقالي الحالي طرح اسمه ورشح رئيساً للوزراء ولم يجد هذا الترشيح اعتراضاً عليه في الداخل ومر بسهولة ويسر، ولكن القوى الأجنبية تريد أن تترك بصماتها ويكون لها دور ومباركة لهذا الترشيح عبر عدد من رجال المال والأعمال الذين لهم ارتباطات بالخارج ومن هؤلاء السودانيين رجل أعمال كبير له استثمارات واسعة في الخارج وليست له استثمارات في الداخل وليست له أفضال تذكر قدمها للوطن، ومنهم من كانت علاقته وثيقة بالسلطة في العهد السابق، وكان أحد الأباطرة المتحكمين في سلعة غذائية إستراتيجية يومية ضرورية مع التمدد في غيرها، وبين الطرفين تبادل منافع وأفادوه وأفادهم وعلاقته مع بعض كبار المسؤولين في العهد السابق سكر على عسل وسمن على لبن رغم عدم التزامه التنظيمي معهم مما أتاح له فرصة الدخول في السفينة الجديدة بسهولة والسعي للتأثير في مجرى الأحداث ولو من وراء ستار (وسمحة المقدرة المالية).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى