. د. عبد الله شمو يكتب :عركينا (1)

 

الأستاذ الفنان الكبير أبوعركي البخيت بتقديري فنان لم يخن المبادئ التي تلبسها حياة وتطبيقاً عملياً حتى بعد التغيير ظل راسخاً عند أصالته الفنية والفكرية وتجاه التزامه بحق الشعب في الحرية المضبوطة خاصة وأنني شاهد ملك لكل مناقبه الوطنية بالغناء والألحان والأشعار والسلوك القائد، ونضالاته التي كان سلاحه فيها الإيقاع والنغم والمحتوى الشعري بانتقائيته العالية.. عركي أنموذج فني نادر في أسلوب ومهارات الغناء والتفكير التلحيني المتقدم، وتوظيف الأدوار بالتوزيع الموسيقي.

(عركينا) هي سلسلة أحداث عشتها بشكل شخصي وشواهد ومواقف خالدة لا يعلمها إلا من كان ملازماً للأستاذ أبو عركي البخيت، سأتطرق إليها لبعض الذي عشته معه خلال تعاوننا الفني الذي أتاح لي فرص التعامل معه بشكل مباشر ومع أبنائه وزوجته رحمها الله، وكثير من محيطه الاجتماعي والفني..

إنه العام ١٩٨٧م، وفي نهار صيفي جاهر بشمسه، يفاجئني الأستاذ عركي بغرفتي بداخلية معهد الموسيقى والمسرح بحي بانت شرق بأم درمان والتي كانت بعمارة الجزلي الشهيرة، وهو يحمل مجموعة من المدونات الموسيقية لأعماله التي سيؤديها بحفل في عصر نفس اليوم وبمسرح قصر الشباب والأطفال وكان عددها خمس عشرة مدونة، أي (15) أغنية.

وما بين زمن البروفة وتنفيذ الحفل حوالي ساعتين فقط.!!!  مما يعني أنه امتحان عسير لطالب بالسنة الثانية ولم يتمرس على الأداء المسرحي بالمدونة الموسيقية بشكل احترافي…!

أتاني عركي مرتدياً جلابية ويلف عمامته كما اليوم ويحمل بإحدى يديه آله عود وبالأخرى مجموعة النوت الموسيقية، ومن وقع المفاجأة لم أقدم له أي ضيافة تذكر، وكان أن أمرني بإحضار آلة الأكورديون والجلوس لتنفيذ النوت المكتوبة بخط يده.

استجمعت شتاتي وبدأنا في تنفيذ المدونات الـ “١٥” في حوالي ساعة، بعدها انتصب واقفًا ومودعاً على أمل اللقاء بعد ساعة حينما يمر علي ومن معه من أعضاء الفرقة التي تصاحبه..

لم يمر هذ الموقف قبل أن تعلموا أن كل الطلاب المتواجدين بعمارة الجزلي/ الداخلية، قد تحلقوا لرؤية البروفة الثنائية واحتفاءً بوجوده بينهم. بادلوه التحايا والتعبيرات بالحب والإعجاب وغيرها..

ولكم أن تعلموا أن من دله علي هو الفنان والمؤلف وعازف الكمان عضو فرقة السمندل آنذاك الأستاذ عثمان مبارك والمتواجد حالياً بالولايات المتحدة الأمريكية، رد الله غربته سالماً غانماً.. وتجدر الإشارة إلى أنه ـ أي عثمان مبارك ـ تربطه صلة قربى ودم بالدكتورة الراحلة زوجة الأستاذ عركي (عفاف الصادق حمد النيل) لها عالي الجنان والرحمة من رب كريم..

كان عثمان مبارك طالباً بالسنة الخامسة والنهائية في تخصص الكمان ويحمل معه تخصص التأليف ويقيم معنا بذات الداخلية، أخبر عركي عني بأوصاف فنية تؤهلني ليضمني لفرقته البديعة..

لم أشأ أن أكون في ذلك الموقع العالي والذي كان يشغله أستاذنا العالم المقتدر (أزهري عبد القادر) الشهير بـ (أب دقن) لولا سفره لعاصمة الضباب طالباً الشفاء لابنته…

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى