سد النهضة.. تحركات جديدة على خطى الأزمة!

تقرير- عبد الله عبد الرحيم

فاصل جديد من مشاهد الخلافات التي أطلت على المنطقة إثر قيام سد النهضة في الحدود الفاصلة بين السودان وإثيوبيا بدأ يطل برأسه على المشهد السياسي لدول المنطقة وتحديداً دول حوض النيل، حيث بلغت التعقيدات ذروتها إثر الرفض الإثيوبي لكل المبادرات بشأن الملء الثاني لسد النهضة والذي تتجه إثيوبيا لإنفاذه بقرار أحادي فيما سبقت من قبل اجتماعات كثيرة ضمت الدول الثلاث (السودان- مصر- إثيوبيا) بشأن التوصل لتفاهمات في مواضيع سد النهضة فيما يتعلق بالإشاء والملء وغيرها من الجوانب الفنية. غير هذا التأمت أكثر من خمس قمم واجتماعات وزارية بشأن السد ضمتها دول ومنظمات قارية آخرها التي رعاها الاتحاد الافريقي في دولة موزمبيق ولكنها لم تخرج بنقاط إيجابية لجهة أن الخلافات احتدمت خلالها ورمت إثيوبيا بأن المواقف حيالها تستهدف مشروعها الاقتصادي الكبير، فيما أشارت للسودان بأنه يدعم أيدولوجيا مصر وموقفها حول قيام سد النهضة.

ولكن السودان ظل يؤكد بأن موقفه ينطلق من مصالح بلاده التي سوف تتضرر بالملئة الثانية إذا ما طبقتها إثيوبيا على الطريقة التي تزعمها وتصر على إنفاذها، حيث أن النيل خلال هذا العام انحسر بصورة ملحوظة خلال الموسم الماضي مما أضر بالمشروعات الزراعية السودانية التي تعتمد على الري الفيضي. بيد أن مبادرة أمريكية جديدة تلوح في الأفق بعد أن أوفدت بمبعوث خاص لمنطقة القرن الأفريقي وللتدخل في أزمة سد النهضة فهل ستوأد هذه المحاولة أم ستحدث الجديد في جدار الأزمة بين الدول الثلاث حول مجرى النيل؟.

تحرك دبلوماسي:

وفور إرسالها لمبعوثها أكد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي، أن بلاده مستعدة للعمل مع الحلفاء لتعزيز السلام في القرن الإفريقي، داعياً قادة مصر والسودان وإثيوبيا للتعاون لحل أزمة سد النهضة. تأتي تصريحات سوليفان بالتزامن مع تحرك أمريكي آخر قبل ساعات للدخول على خط الوساطة في ملفات القرن الإفريقي ومنها سد النهضة، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في وقت سابق، تعيين جيفري فيلتمان مبعوثًا خاصًا إلى دول القرن الإفريقي. وقال بلينكن في بيان: “أعلن تعيين جيفري فيلتمان مبعوثًا خاصًا للقرن الإفريقي.. ويؤكد هذا التعيين التزام الإدارة بقيادة جهد دبلوماسي دولي لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية المترابطة في القرن الإفريقي”.

وأضاف: “بعد أن شغل مناصب عليا في كل من وزارة الخارجية والأمم المتحدة، يعتبر فيلتمان شخصًا مناسبًا لتوظيف خبرته في إفريقيا والشرق الأوسط، وفي الدبلوماسية متعددة الأطراف، وفي التفاوض والوساطة، بهدف معالجة هذه القضايا الإقليمية المعقدة”. وتابع: “فيلتمان سيعمل على قضايا الأزمة الإنسانية في إقليم تيجراي والخلافات بين السودان وإثيوبيا، فضلًا عن ملف سد النهضة”.

وختم بيانه قائلاً: “في لحظة التغيير العميق لهذه المنطقة الاستراتيجية، تعد المشاركة الأميركية رفيعة المستوى أمراً حيوياً للتخفيف من المخاطر التي يشكلها تصعيد الصراع مع توفير الدعم لفرص الإصلاح التي تحدث مرة واحدة في الجيل”.

إثيوبيا تتمسك:

وبالأمس أعلن مجلس الأمن الوطني الإثيوبي التمسك بتنفيذ مرحلة الملء الثاني لسد النهضة في موعده المقرر. وتجاهل المجلس في اجتماعه برئاسة أبي أحمد اعتراضات السودان ومصر على مواصلة ملء السد دون توافق ثلاثي. واتهم المجلس أمس في بيان صادر له قوى خارجية وداخلية بأنها تعمل لإغراق إثيوبيا في الصراع والفوضى. فيما أكد البيان قيام الانتخابات الإثيوبية في موعدها المقر شهر يونيو القادم، وكان رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد رفض دعوة حمدوك للقاء ثلاثي مع رئيس وزراء مصر ووصفه بأنه غير ذي جدوى.

تصعيد سوداني:

في الأثناء كشف وزير الري ياسر عباس عن استعانة السودان بمكتب محاماة عالمي لمقاضاة إثيوبيا حال استمرارها في الملء الثاني لسد النهضة. وفي تغريدته على تويتر يعلن الوزير عن دراسة كافة الخيارات بما فيها اللجوء لمحاكم الكوميسا والعمل الدولية وحقوق الإنسان. ووصف ياسر عباس رفض أبي أحمد دعوة حمدوك للاجتماع الثلاثي مع نظيرهما المصري، بالرفض “غير المبرر”. وأكد أن السودان أبدى ملاحظات حول المبادرة الأماراتية مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وأراضي الفشقة. وقال إن المبادرة غير رسمية لتقريب وجهات النظر حول ملف سد النهضة وصيغة استثمارية لأراضي الفشقة وفق القوانين السودانية.

فشل مستمر:

ويرى الخبير في المياه د. محمود حسين مختار لـ(الصيحة)، أن موضوع سد النهضة بدأ يزداد تعقيداً أكثر بمرور الزمن واقتراب فصل الخريف، حيث موعد هطول الأمطار بغزارة على السهول الأثيوبية وأجزاء كبيرة من مناطق السودان تحديداً على الحدود مع إثيوبيا، وهذا يغري الجانب الإثيوبي بإمكانية تنفيذ الملئة الثانية للسد دون موافقة الأطراف التي حسب الموقف الأثيوبي لا علاقة لها بهذا الموقف ولا يمت لها بصلة. ولكن الجانبين المصري والسوداني يريان أن لهما حقوقاً متساوية مع إثيوبيا في التمتع بماء النيل وليس بحسبانه أنهما دولة مصب. ووفقاً لاتفاقيات بين الدول الثلاث تم التوافق على إقامة السدود وغيرها بموافقة الدول الثلاث ولذلك فإن السودان ومصر ترتكزان على هذه الاتفاقيات القديمة بينهما برعاية الحكومة البريطانية وقتها. ولم تفلح كل المبادرات بدءاً من الرباعية والمبادرة الأمريكية ومبادرة الاتحاد الأفريقي والمبادرة السودانية في الوصول لتفاهمات بشان الملء الثاني لسد النهضة. فيما هددت مصر باتخاذ القوة لإثناء إثيوبيا عن خطوة الملء الثاني الذي بحسابات الري وانسياب المياه فإن مصر والسودان سيتضرران منه كثيراً.

احتراز وتحوط:

وفي خطوات احترازية، بدأت وزارة الري والموارد المائية، في تنبيه المزارعين والرعاة ومحطات مياه الشرب والمواطنين بأنه من المرجح انخفاض منسوب المياه خلال الأشهر القادمة، موضحة الآثار السلبية للملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي، بعد أن أقدمت إثيوبيا على ملء سد النهضة بـ4.9 مليار متر مكعب من المياه العام الماضي، في حين تعتزم مباشرة المرحلة الثانية في يوليو القادم لتملأه حتى أكثر من 18 مليار متر مكعب من مجموع طاقته الاستيعابية البالغة 74 مليار متر مكعب، مما ساهم في  تزايد التوترات بين مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر، على خلفية تعثر المفاوضات حول سد النهضة.  وأكدت وزارة الري ضرورة أن يتخذ جميع المعنيين بالأمر الاحتياطات اللازمه لتجاوز آثار الملء والتشغيل خلال الفترة من أبريل حتى سبتمبر 2021. وقال وكيل وزارة الري والموارد المائية، ضو البيت عبد الرحمن، إن الوزارة تنبه المزارعين والرعاة ومحطات مياه الشرب ومشروعات الري وكل مستخدمي المياه والمواطنين عامة في مناطق النيل الأزرق (من الدمازين الى الخرطوم)، من احتمالية انخفاض كميات المياه الواردة من النيل الأزرق خلال الفترة من شهر أبريل حتى نهاية سبتمبر”، مشيرا إلى أنه ستصل الكمية الواردة لمحطات مياه الشرب.  وأضاف أن “قطاع النيل الأبيض من الجبلين إلى جبل أولياء، سيتأثر أيضاً بملء سد النهضة نسبة لتعديل نظم تشغيل خزان جبل أولياء، وسيؤدي ذلك لتقليص مساحات الجروف والمراعي نسبة لعدم التفريغ الكامل للبحيرة”، مشيرًا إلى أنه ستزيد فترة المناسيب العالية للبحيره بالنسبة لمحطات مياه الشرب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى