بأمر الشهداء المحكمة الدستورية… تعطيل الأحكام

 

الخرطوم: أم سلة العشا

انتقادات كثيرة صاحبت تطاول أمد غياب المحكمة الدستورية عقب انتهاء أجلها في 12 يناير الماضي، ووصف تأخير تشكيلها بأنه أمر معيب وانتقاص من العدالة، في ظل الفترة الانتقالية وتحقيق شعار (حرية سلام وعدالة)،  الأمر الذي اعتبره كثيرون أن تكون الحقوق والحريات العامة بل والعدالة نفسها في مهبِّ الريح، غير أن نقاشاً مستفيضاً يجري داخل أروقة الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري حول اختيار أسماء أعضاء المحكمة الدستورية التي بات تشكيلها وشيكاً بل في القريب العاجل.

بالرغم من الطرق الكثير من قبل قانونيين على عدم تشكيل المحكمة الدستورية حتى الآن، إلا أنه لم يتكرم أي من جهات الاختصاص بالكشف عن أسباب التأخير سواء كان عن قصد أو لأسباب موضوعية، غير أن محض الصدفة كان سبباً في معرفة ما يدور داخل دهاليز الحكومة، فقد تقرر على حين غفلة ومن خلال رد على استفسارات أسر الشهداء حول  سبب تأخير التنفيذ في قضية الشهيد أحمد الخير الذي اغتالته أيادي منتسبين لجهاز الأمن في عهد النظام السابق، بأن المحكمة تشكيلها قريباً وفقاً لعضو المجلس السيادي محمد الفكي سليمان، ومضى قائلا “إذا كانت المشكلة مرتبطة بالمحكمة الدستورية فاعتبروها مشكلة محلولة، وكشف سليمان أن النقاش جارٍ حول الأسماء التي رفعت للمجلس السيادي بشأن المحكمة الدستورية.

انتقاص عدالة

المحكمة الدستورية هي الجهة التي تحول دون انتهاك الحقوق العامة والفردية بواسطة السلطة الحاكمة أو أي جهاز من أجهزتها الأمنية والمدنية، المحكمة الدستورية من أهم أجهزة العدالة كونها محكمة مستقلة معنية ــ ليس فقط بالفصل النهائي في أحكام الإعدام وأية أحكام قضائية أخرى ــ وإنما أيضًا برقابة دستورية القوانين والتشريعات وحماية الحريات الأساسية”، وانتقد رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، تطاول أمد غياب المحكمة الدستورية، معتبرًا الأمر معيبًا وينتقِص العدالة، مطالبًا مجلسي السيادة والوزراء الإسراع بإصدار قانون مجلس القضاء العالي الذى يتم بموجبه تشكيل المحكمة الدستورية، مع ضرورة أن تخضع صياغته لتشاور واسع مع الجهات العدلية والقانونيين بهدف تحقيق مطلب الوثيقة الدستورية، هذا وضعٌ معيب لا مبرر لاستمراره، ولا يليق بسودان ما بعد الثورة التي جعلت العدالة أحد أضلاع مثلث شعارها الأثير حرية، سلام وعدالة”.

ويشكل غياب وتعطيل المحكمة الدستورية في السودان هاجساً كبيراً تجاه الأحكام القضائية الخاصة بالإعدام، في ظل الفترة الانتقالية، ما يثير التساؤل حول مصير تلك الملفات التي ارتبطت بحقوق الإنسان وتحقيق العدالة بحسب الترتيب القضائي في مراحل الدعوى القضائية، حسب ما نصت عليه القوانين السائدة، سيناريوهات عديدة رسمها القانونيون في ظل غياب المحكمة الدستورية قادت إلى اتهامات بأن التعطيل لتحقيق أهداف ومآرب سياسية وإنشاء قوانين مفصلة على أهواء القائمين على أمر العدالة في الفترة الانتقالية.

فراغ دستوري

في 12 يناير الماضي انتهى أجل المحكمة الدستورية، وبذلك تكون البلاد دخلت في مرحلة فراغ دستوري بالنسبة للمحكمة الدستورية، وبحسب قانونها لعام 2005 الذي نص على تجديد ولايتها كل سبع سنوات، كما أن الوثيقة الدستورية نصت على أن يتم تشكيل المحكمة الدستورية عن طريق مجلس القضاء الأعلى الذي لم تتم إجازة قانونه وأودع منضدة المجلس التشريعي المؤقت (المجلس السيادي ومجلس الوزراء) مُنذ أكثر من نصف عام، وتعتبر المحكمة الدستورية في البلاد، هي المحكمة العليا الحارسة للدستور السوداني ودساتير الولايات، وتعتبر أحكامها نهائية وملزمة.

وتتكون المحكمة من 9 أعضاء يعينهم رئيس الجمهورية بناءً على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية وموافقة ثلثي جميع الممثلين في مجلس الولايات، وللمحكمة رئيس يعيّنه رئيس الجمهورية السوداني بموافقة النائب الأول لرئيس الجمهورية من بين القضاة المعينين.

ترغيب ومصلحة

وفي أول رد فعل رسمي على عدم تشكيل المحكمة مُنذ 9 أشهر، وتعليقاً على تساؤلات حول تأخر تنفيذ الإعدام الصادر ضد ٢٩ من منسوبي جهاز الأمن الذين أدينوا بقتل المعلم أحمد الخير، إبان احتجاجات شعبية ضد النظام السابق في خشم القربة بشرق السودان، استعجلت رئيسة القضاء نعمات عبد الله السلطات العدلية كوسلية للضغط بإجازة قانون القضاء العالي بغرض تشكيل المحكمة الدستورية، وشددت على أن “غيابها هاجس من تعطيل تنفيذ الأحكام”، وأوضحت أن غيابها يمثل هاجساً ينذر بتأخير تنفيذ أحكام الإعدام التي تنتظر الفصل من المحكمة”، وتُعد المحكمة الدستورية في السودان آخر درجة في التقاضي فيما يتعلق بمراحل الدعوى الجنائية، حيث تصبح الأحكام الصادرة منها نهائية وقابلة للتنفيذ، خاصة في مسائل الإعدام.

إقصاء واستهداف

ويتفق المحامي أبو بكر عبد الرازق في حديثه لـ(الصيحة) مع حديث رئيسة القضاء بشأن تعطيل وغياب المحكمة الدستورية، والفراغ الدستوري الذي تعيشه البلاد، وقال عبد الرازق إن غياب المحكمة الدستورية لم يمكن لسيادة حكم القانون بل مكن لسيادة حكم الهوى، الذي تقوده الغرائز غير الراشدة والحسد والغيرة والإقصاء والاستهداف وترهيب المواطنين، كذلك فيه ترغيب لمن يرغب في المصلحة، وقانون التمكين يلغي كل القوانين في حالة التعارض معه ويخضع لرؤية واعتقاد وظن لجنة التمكين، ومثل هذا القانون سيتم شطبه من قبل المحكمة الدستورية في حال وجودها لأنه لا يشبه القاعدة القانونية، وبحسب شراح القانون بأنها قاعدة مجردة وعامة، مجردة بحيث أنها لا تحدد أشخاصاً بعينهم يتم استهدافهم، ولا تحدد وقائع بعينها وإنما تتحدث عن وقائع مجردة وشخص الإنسان دون الإشارة لشخص محدد طبيعياً كان أو اعتبارياً.

أحكام الإعدام

أجرت الحكومة الانتقالية في 12 يوليو الماضي تعديلات قانونية منعت بموجبها تنفيذ حكم الإعدام بحق الأطفال ومن تجاوزوا السبعين عدا جرائم الحدود والقصاص والجرائم الموجهة ضد الدولة والفساد، وقال عبد الرازق إنهم تقدموا بعدة طعون بذات الخصوص لدى المحكمة الدستورية ولغيابها لم يتم الفصل في تلك الطعون، كما اعتبر عبد الرازق أن المحكمة الدستورية يمكن أن تلغي قانون مفوضية إصلاح المنظومة العدلية والقضائية لأنه ينتهك استقلال القضاء والنيابة العامة وفي نفس الوقت يجعل من رئيسة القضاء “رئيس مريس ومتيس”ــ حسب تعبيره ــ إذ أن سياسيي (قحت) يشكلون (14) من (20) من تشكيل المفوضية وفي نفس الوقت التصويت بأغلبية الحضور، وكذلك ما تم من تعديل على قانون الإجراءات الجنائية تفصيلاً على المتهمين في المحاولة الانقلابية فيما يتعلق بإعدام من تجاوز الـ(70) عاماً وكذلك فيما يتعلق بالتقادم المسقط للدعوى الجنائية والملغي لها وبحسب القانون أن أي مراكز قانونية انقضت أو اكتملت قبل صدور القانون الجديد لا يسري عليها القانون بالأثر المباشر والفوري، وبالتالي ينبغي للمحكمة الدستورية أن تشطب هذه التعديلات أو تعاد صياغتها بما يوافي الوقائع المستجدة في ظل سريان القانون.

حقوق مجمدة

ملفات كثيرة ومتراكمة أمام المحكمة الدستورية أكثر من ألف ملف يتعلق بأحكام صادرة بالإعدام والحقوق المتجمدة، فضلاً عن وجود طعن يتعلق بتعيين النائب العام، والوثيقة الدستورية، كل ذلك ينبغي ألا يؤثر على إجراءات المحاكمة العادلة التي ينبغي أن تنتهكها المحكمة، هذا ما كشفه المحامي أبو بكر عبد الرازق بجانب المادة (131) من قانون الإجراءات الجنائية التي تتناقض مع نص المادة (52) من الوثيقة الدستورية التي تتحدث بأن أي مواطن سوداني يحاكم أمام المحكمة ولا يحاكم مواطن سوداني أمام محكمة خاصة ولن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي في محكمة مختصة، الآن رئيسة القضاء عينت محكمة خاصة لمحاكمة مدبري انقلاب الإنقاذ، وبالتالي غير دستورية. فضلاً عن نص جريمة مستمرة في التعديل الجديد في قانون الإجراءات الجنائية حتى تتم محاكمة مدبري الانقلاب في حين أن الدعوى انقضت قبل (20) عاماً.

تغييب واستهداف

هنالك مجموعة من القضايا الدستورية ينبغي إلغاؤها، وفي حال تم إلغاء قانون إزالة التمكين يكون كل من تم فصله من الخدمة المدنية سيكون كأن لم يكن، كل هؤلاء سيعودون الى المحكمة المدنية ويحاكمون وفقاً لقانون الخدمة العامة أو قانون الهيئة القضائية أو قانون النيابة العامة لتكوين لجنة تحقيق ويظهر عن كل محام وقد تكون لجنة محاسبة وإذا أفضت لجنة المحاسبة إلى فصله يستأنف إلى الوزير أو الجهة الأعلى باعتباره قراراً ادارياً يذهب به إلى المحكمة الإدارية، وبحسب أبو بكر عبد الرازق، أن (قحت) تريد تغييب المحكمة الدستورية لاستهداف وإنشاء القوانين الظالمة، وبالتالي تحقيق مآربهم السياسية بخلاف قيام المحكمة الدستورية، كما أن هدف ومغزى البرهان من تغييب المحكمة الدستورية إذا أراد أن يلغي أو يشطب المحكمة الدستورية أو يقيل حمدوك لن تكون هنالك محكمة دستورية يتم اللجوء إليها بمقتضى القرارات التي فعلها، كما أن (قحت) ومجلس السيادة لديهما أهداف من غياب المحكمة الدستورية وصفها بالمتعارضة التي لا تلتقي لكل منهما.

ووصف عبد الرازق غياب المحكمة الدستورية أو غياب دائرة دستورية في المحكمة العليا كما كانت سابقاً يعني انتهاكاً لحقوق الإنسان وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولميثاق الأمم المتحدة ولاتفاقيتي الحقوق المدنية والثقافية، وللوثيقة الدستورية وانتهاكاً لمبادئ الثورة .

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!