الطاهر ساتي يكتب : (نفس الدواء)..!

 

:: كما كشف المؤتمر الاقتصادي، فإن بعض الأدوية التي تقدمها حكومة الثورة لشعبنا اليوم، هي ذات الأدوية التي كانت تقدمها حكومة الفلول بالأمس، فقط تختلف الشركات والعبوات وعدد الجرعات.. وعلى سبيل المثال، تعهدت وزير المالية المكلف هبة محمد علي، بتوفير (200) ألف فرصة عمل للشباب، منها (70) ألف وظيفة في الموازنة المقبلة، مع تأمين (10) آلاف وظيفة في الخدمة المدنية، منها (100) فرصة بوزارة المالية، بحيث يتم  استيعابهم خلال الأسابيع المقبلة..!!

:: وما وعدت به الوزيرة المكلف، هبة، الشعب في موازنة العام (2021)، يختلف قليلاً عما وعد به الوزير السابق إبراهيم البدوي في موازنة العام (2020)، حيث وعد بتوفير فرص عمل للشباب، وكان قد حدد عدد الوظائف بـ(250.000) وظيفة، ولم يُحدِّد البدوي إن كانت هذه الوظائف المرتقبة بمؤسسات الدولة وخدمتها المدنية أم هي بالقطاع الخاص وشركات المجتمع، ولكن هبة حددت أمكنة الوظائف، وهي الخدمة المدنية، ومنها مائة وظيفة بوزارة المالية..!!

:: وكما سردتها للبدوي، أسرد الحكاية التالية لهبة..

تم تنظيم سباق للتجديف بين فريق بلادنا واليابان.. وكان بكل قارب خمسة أشخاص.. وانطلق السباق، فانْتصر الفريق الياباني.. وعند تحليل الأسباب، كشف المحلل أن القارب الياباني كان يتكون من مدير القارب وأربعة مجدفين، بيد أن قارب السودان كان يتكون من السادة وكيل أول القارب، وكيل القارب، مدير القارب، مساعد مدير القارب، ثم مجدِّف واحد فقط لا غير.. ولاحقاً، تم تشكيل لجنة لمعرفة أسباب الخسارة، فأوصت اللجنة بهيكلة القارب، بحيث تم فصل (المجدف)..!!

:: وهكذا حال الخدمة المدنية في بلادنا.. ترهّلٌ بلا إنجاز، وتكدُّسٌ بلا إنتاج، وزحامٌ من أجل أكل العيش، وليس لخدمة الناس والبلد، ولذلك كانت – ولا تزال –  الخدمة المدنية ( خاملة).. ولعلكم تذكرون، قبل الثورة بأشهر، وبلا دراسة لآثاره، تم رفع سن المعاش إلى (65 عاماً).. وبعد أشهر من هذا القرار الكارثي، أعلنت مفوضية الاختيار للخدمة المدنية عن تكدُّسٍ آخر وترهُّلٍ جديد، وذلك بتخصيص (6.000 وظيفة)، لاستيعاب الخريجين بمرافق مركزية، و (24.000 وظيفة)، بالولايات..!!

:: هذا ما حدث بعد قرار رفع سن المعاش مباشرة.. وقبل قرارهم، البلهاء لم يسألوا أنفسهم: لماذا كل هذه الوظائف بالخدمة المدنية؟، وهل المواطن بحاجة إلى كل هذه الفيالق المدكسة في المرافق العامة؟، وهل الغاية من وظائف الخدمة المدنية هي الإنتاج والخدمات، أم هي فقط وظائف للكفالة والترضيات السياسية؟.. والإجابة ليست بحاجة إلى كثير تفكير، بل يقولونها بلا حياء: (نحرص على استيعاب أكبر عدد من الشباب، بغرض توفير فرص العمل وتقليل البطالة)..!!

:: تلك هي الغاية العظمى من وظائف الخدمة المدنية.. استيعاب أكبر عدد من الشباب لتقليل البطالة، وليس لحاجة خدمات الناس إلى (أكبر عدد من العاملين).. سياسة تحويل الخدمة المدنية إلى حواضن للترضيات السياسية وديوان زكاة ومشاريع تكافل، هذه السياسة لم تخدم النظام المخلوع ولم تُثبِّت أركان حكمه، وعلى حكومة قوى الحرية عدم التمادي في هذا الخطأ الفادح.. فالدولة المعاصرة مرافقها الحكومية رشيقة وفاعلة، وليست مترهلة وكسولة، كما حال مرافقنا الحكومية..!!

:: وكذلك الدولة المعاصرة هي التي تكتفي حكومتها فقط بالرقابة والإشراف، ثم تُفسِح الأسواق والخدمات لشركات القطاع الخاص، لتستوعب الشباب وتبدع وتنتج وتنهض بالمجتمع والبلد.. أما الدولة المتخلفة، فهي التي حكومتها تكبل القطاع الخاص، وتتمدد هي – بأجهزتها الكسولة وخدمتها المدنية المترهلة – على الأسواق والخدمات، ودائماً ما يكون الحصاد الاحتكار والترهل والفساد ورداءة الخدمات والعطالة و ..و.. كل هذا التردي..!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى