امتحان الولاة.. (1)

الطاهر ساتي يكتب:

:: مع الشمالية، فإن الخرطوم والجزيرة وجنوب كُردفان هي الولايات الأفضل أن يكون واليها (امرأة) .. وبغض النظر عن مؤهلها وكفاءتها، لم توفّق الحكومة في اختيار الدكتورة آمنة أحمد المكي والياً لولاية نهر النيل، وهو اختيار يؤكد جهل – أو تجاهل – من رشحها لهذا المنصب لثقافة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها .. وليس هناك ما يُعيب مجتمع نهر النيل – وغيره من المجتمعات – بأن يكون له ثقافة يعتز بها وعادات وتقاليد يُحافظ عليها، ليس في هذا ما يُعيب، ولكن العيب هو عدم احترام السُلطات المركزية ثقافات وعادات وتقاليد المجتمعات ..!!
:: ولأن الغاية هي حل أزمة وليس تأزيم أزمة أو خلق أزمة جديدة، لن أسترسِل في الشرح .. فقط أكتفي بتأكيد أن الشمالية والخرطوم والجزيرة وجنوب كردفان فقط هي الولايات ذات المجتمعات المؤهلة – من حيث الثقافة والعادات والتقاليد – على قبول التجربة بلا غضب أو حزن.. معرفة القيادة لطبيعة القواعد – وثقافتها وعاداتها وتقاليدها – مهمة للغاية، ولكن يبدو أن المنافي أفقدت قيادة الحكومة فضيلة المعرفة، ولذلك صدَمَت مجتمع نهر النيل بهذا الاختيار الغريب .. ولو كان فيهم مستشار يعي ما يفعل، لنصحهم بتوزيع نصيب المرأة في ولايات الشمالية والخرطوم والجزيرة، جنوب كردفان بعد تحقيق السلام ..!!
:: (أردنا أن نحفظ التوازن في مسألة مشاركة النساء، وأن تكون مشاركتهن بشكل مُرضٍ وكبير)، هكذا تحدث رئيس الوزراء عقب إعلان الولاة .. ولكن في الواقع فإن نسبة مشاركتهن (8%)، وهي ليست مُرضية ولا كبيرة .. والأدهى والأمَر ليس هذا نصيب المرأة المنصوص في ميثاق الحرية والتغيير (25%)، ولا ما يُطالب به الكيان النسوي المُشارك في الثورة (40%).. فالزعماء أخلفوا وعدهم مَرّة بالمُحاصصة الحزبية، وأخرى بتقزيم نِسَب المرأة ..!!
:: مع إعلان أسماء الولاة، غضب البعض وتوجّس البعض الآخر، ولم يفرح بهم غير أحزابهم .. وربما حتى بعض الولاة لم يفرحوا بهذا التكليف المُرهق.. بل مرهق للغاية لمن يشعر بعظمة المسؤولية ومخاطر المرحلة.. وليس مناصب الولاة فقط، بل كل المناصب – مركزية كانت أو ولائية- تتحوّل إلى مقاعد من نار حين تكون مطالب الناس أعلى من إمكانيات الدولة.. وولاة حكومة حمدوك، عكس ما كان عليه حال ولاة حكومة المخلوع، لا خيل عندهم ليهدوها لشعوبهم ولا مال، بل تقع عليهم مسؤولية توفير الخيل والمال، وذلك باستغلال الموارد واسترداد المنهوب منها..!!
:: ومهما كانت سيرتهم الذاتية، وما فيها من مؤهلات علمية وخبرات عملية، فمن الخطأ أن نحكم عليهم لحد الغضب كما فعل البعض، وكذلك من الخطأ أن نفرح بهم كما فعلت أحزابهم .. ولذلك من العدل والعقل أن ندعهم – وندعمهم – حتى يعملوا ثم نحكم عليهم بما عملوا ولم يعملوا.. وهذا رجاء لمن غضبوا بكسلا وشمال كردفان وغيرهما، أي دعوا واليكم يعمل لنرى عمله ثم نحكم له أو عليه، ومن الجنون والحماقة أن تحكم على أفعال المسؤولين بأحكام استباقية، فقط لأنه ليس من قبيلتك أو ليس من حزبك، وهذا ما يحدث ..!!
:: وقبلهم اختيارهم بثلاثة أيام، وتحت عنوان (أخطر امتحان)، كتبتُ بالنص: (ليس في المُحاصصات المُعلنة ما يُعيب لو أحسنت الأحزاب الاختيار ونجحت في امتحان الولايات .. نعم، الولايات هي أخطر امتحان لزعماء قِوى الحرية، وللثورة ذاتها.. نجاح الولاة في تنمية الولايات وبسط الأمن وتحسين الخدمات يعني نجاح الثورة وإعادة ثقة الشعب في الأحزاب، وفشل الولاة يعني بحث الشعب عن وسائل حكم أُخرى، منها اجترار هتاف مرحلة ما بعد عبود (ضيّعناك وضعنا وراك).. !!
:: ولذلك، بجانب الكفاءة والأمانة، فمَن يشغل هذه المناصب – القريبة من قضايا الناس – يجب أن يتميّز بالحيوية والقُدرة على الإبداع.. وتُخطئ قِوى الحرية، وترتكب جريمة في حق الثورة، لو تجاهلت الكفاءات ووزّعت المُهرِّجين السِّياسيين على مقاعد الولاة ووزراء الولايات، وهذا ما يَحدث في مطابخ الترشيح، ما لم تكن التسريبات مُراداً بها (جس نبض).. فالكفاءة هي التي تُدير شؤون الناس بوعي ونزاهة ومهنية ومؤسسية هي التي تصنع وتُرسّخ أهداف الثورة.. أما المُهرّج، فهذا لا يصنع غير الأزمات وأسباب الانقلابات..)
:: و.. نواصل..!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى