أسوار القيادة البرهانية الخرسانية

أسوار القيادة البرهانية الخرسانية
إبراهيم بخيت
قبل اندلاع الحرب اللعينة كنت أمر بطريق القيادة وأشاهد العمل الحثيث المتسارع في بناء أسوار حول القيادة العامة. وكنت أظن أنها ليست سوى باب من أبواب العدوان على المال العامة التي يبرعون فيها، ولكن هنا بوسيلة لا يمكن صدها أو رفضها، إلا أننى اكتشفت غير ذلك بعد اندلاع الحرب، وأن في الأمر إن.
فرجعت بذاكرتي للعام 2007 الذي نشرت فيه مقالاً في جريدة الراية القطرية بعنوان (الأسوار العقيمة) وكنت أظن أنها في عصر التقنية الحديثة و الأقمار الاصطناعية أصبحت أثراً بعد عين، وشاهدا على زمن ولى بما به و بما عليه، وقلت في ذلك المقال، إذا كانت للأسوار في غابر الأزمان أهمية وفاعلية في حماية الدول أو الممالك أو الإمبراطوريات من غزوات الأعداء. فذلك لأن الإنسان حينها لم ينل حظاً وافراً من العلم والمعرفة، وما زال على تخوم حياته المتوحشة البدائية العدائية. ولذلك برع الأوائل في ابتداع الأنماط المختلفة للأسوار والتحصينات والقلاع الدفاعية علي جبهات القتال. ومنها الأسوار التي تقام حول المدن، إلا أن الغرض من الاثنين واحد، هو التوجس والخوف من الآخر، أو العجز عن صده بوسائل أخرى.
والمعروف أن التاريخ والآثار احتفظتا لنا بالعديد منها. وأشهرها احدي عجائب الدنيا وهي سور الصين العظيم. وإذا كان وجودها في تلك الأزمان مبرراً ومفيداً، إلى حد ما. ولكن ما فائدتها الآن وقد وصل الإنسان إلي حظ وافر من التهذيب والوعي؟ وتوصل إلى وسائل متحضرة لدرء المخاطرعن بلدانه، بالتفاوض والتصالح، والدعوة للسلام، والمحبة الأخوية، والإنسانية. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال، استناداً إلى التقدم العلمي والتقني والوعي المكتسب عبر القرون. ولكن يبدو أن الأمر ليس كذلك. فبعض الدول، ومنها بلدنا العزيز، ما زالت على بدائيتها، وعجزت عن الوصول إلى أساليب متحضرة للتعامل مع الآخرين. وما زال بعض الحكام على حظ من التخلف والطبيعة المرتابة. إما لعجز في صد الآخرين بالحسنى، أو لأنهم مغتصبون يريدون التعامل بفهم القطيع والقطعان. وهكذا فعل البرهان عندما اقام أولاً سوراً ترابياً حول القيادة، إلا أنه سرعان ما اكتشف وبعبقرية خنفشارية متوجسة، أن السور الترابية لن تحميه من ردود أفعال القادم المتوجس، فقالت له ذات العبقرية أن الأسوار الخرسانية أقوى وأشد منعة، حتى لو وقعت السماء، وستحميك من القادم، وهكذا أحاط القيادة مرة أخرى بتلك الأسوار الخرسانية العالية، التي ما صدت عنه طلقة أو أوقفت من جعلوه يهبط للبدرون في ذات القيادة المحصنة. والتاريخ القريب يؤكد أن الأسوار مهما كانت منعتها، أو تقدم التقنية التي قامت عليها، أو كثافة الحراسة المضروبة حولها، لن تصد صاحب حق أو قضية عن اختراقها، طال الزمن أو قصر. فالعديد من الأسوار اليوم أصبحت مجرد بنايات أثرية. ورمزاً للكراهية والبغض والسمعة السيئة، فسور برلين كمثال عبر بوضوح عن ضيق أفق من فكر فيه ومن وافقه عليه ومن شيده. ويليه في المرتبة، بل يفوقه بغضا سور الفصل العنصري الذي شيدته إسرائيل، والآخر الذي أقامته باكستان على حدودها مع أفغانستان. والأسباب واحدة. وهي أن الإنسان متي ما استبد به الخوف، لجأ إلى بناء أسوار تحميه من الخطر وتقيه من الاختراق. وما زال البعض إلى يومنا هذا يرى أنها الحل، علي الرغم من أن هذه الأسوار على مختلف أنماطها لم تحم بانيها من الخوف، ولم تكسبه الأمن. فهل من مُذَكَّر؟.



