وقفة مع مولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم)

 

*كان العالم أجمع والعرب على وجه الخُصُوص، يعيشون في ظُلمة عاتمة، يدفن الآباء بناتهن خوفاً من العار، وتضرب النساء أرجلهن بالأرض ليبدين زينتهن، كانت جزيرة العرب وغيرها من ديارهم يعيشون حياة الفوضى والعصيان، يعبدون الأصنام ويَشربون الخمر ويقطعون الأرحام ويتعاملون بالربا، كانت جل الديار مُظلمة، ترتطم في أوحال الجهل، وكانت الشمس تشرق على بشر نضبت في نفوسها معاني الخير والصلاح، فكانت لا تعرف إلا الشر والفحشاء، وتعيث في الأرض ظُلماً وعُدواناً، يكذبون في الكلام ويشعلون نار الفتن ويخلفون الوعد وتَسُود بينهم الفوضى والهمجية، فلا نظام ولا دستور ولا قانون.

*كانت الحياة تسير برتيبة واحدة عنوانها الفوضى، حتى جاء عام الفيل وهو العام الذي حَاوَلَ فيه أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة، فكان مولد المصطفى عليه أفضل الصلوات والسلام، وعند ولادته أضاءت السماء نوراً، حيث ظهرت أحداثٌ عجيبةٌ في الكون، دلّت على عظمة المولود، وخمدت نيران (فارس) وفَاضت بحيرة (ساوة) وسقطت (شرفات) من قصر ملك الروم، وظهر في جبينه المبارك نور أضاءت له بيوتات مكة، وتنبأ الناس بأنّ هذا الوليد سيكون له مُستقبل عظيم وباهر، وسرّت (قريش) وهم قبيلة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا المولود الجديد، وبالأخص بيت هاشم.. حتى أنّ عم النبي (أبا لهب) أعتق جارية له، حيث أتت إليه ببشارة ولادة (محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم).

*وُلد نبي الرحمة والإنسانية وكل القلوب إليه تميل ومعي بهذا شاهد ودليل، أما الدليل إذا ذكرت محمداً صارت دُمُوع العَارفين تَسيلُ، هذا نبراس الهدى، هذا لكل العالمين رسول.

*منذ ولادة المصطفى عليه أفضل الصلوات والتسليم تَحَوّل العالم من الأسوأ إلى الأفضل ببركات خاتم الأنبياء والمُرسلين، وأصبح العالم أجمع يُدار من مدينته المنورة “يثرب” ومنها أسلمت أوروبا وآسيا وأفريقيا، بدأ الإسلام بقلة آمنت بالرسالة المحمدية ثم كبر وازداد المُسلمون حتى ملكوا العالم أجمع.

*اليوم يحتفل العالم الإسلامي بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وجل احتفالات المُسلمين تظل شكلية وهم بعيدون بعض الشيء عن الإسلام الحقيقي، الإسلام الذي لا يعرف الكذب ولا الغَدَر ولا الخيانة، الإسلام بتعاليمه السمحة وشرائعه المُختلفة، الإسلام الذي نَقَلَ البشرية من الظلمات إلى النور، وفشل الغرب بجبروته في تلك القُرُون من التشويش عليه ولكنه يفعل الآن بنشر صُورة سالبة عن الإسلام ودَمغه بالإرهاب.

*سيظل الإسلام بدعوته إلى أن تقوم الساعة وسيعود قوياً كما كان في عهد المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين من بعده، وليكن الاحتفال بذكرى مولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم) هو البداية لمُراجعة الأنفس ومُحاسبتها على ما اقترفت من أخطاءٍ في زمنٍ أصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر، في زمنٍ أصبحت فيه الفوضى هي الحُرية، والالتزام بتعاليم ديننا الحنيف هي الرجعية، في زمنٍ نجح فيه الغرب بكنيسته في إغراء شباب المُسلمين وخداعه تحت ستار الحُرية والمُساواة والحُقُوق.

*نسأل الله تعالى أن يأتي العام القادم ونحن نحتفل بمولد رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) والعالم الإسلامي في وُحدةٍ وتماسُكٍ وقُوةٍ ومِنعةٍ كما كان الإسلام في بدايات عهده مع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

*كل عام وجميع الأمة الإسلامية بخير وعافية وقوة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى