حين يتحول قائد الجيش إلى وصيّ على السودان؟
ياسر العطا وتوزيع صكوك الوطنية في زمن الحرب

حين يتحول قائد الجيش إلى وصيّ على السودان؟… ياسر العطا وتوزيع صكوك الوطنية في زمن الحرب
مهدي داؤود الخليفة
لم يكن حديث الفريق ياسر العطا إلى صحيفة «الشروق» المصرية مجرد تصريحات عسكرية عابرة، بل حمل في طياته سؤالًا سياسيًا بالغ الخطورة: من فوّض قيادة القوات المسلحة لتقرر للسودانيين من يحكمهم، وكم دورة انتخابية ينبغي أن يبقى على رأس الدولة؟
حين يقول رئيس أركان الجيش السوداني إن الجيش «لا يرغب في الحكم»، ثم يضيف أن الظروف تفرض بقاء القائد العام، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية قادمة، فإن التناقض يصبح صارخًا.
فثلاث أو أربع دورات انتخابية ليست مرحلة انتقالية، ولا إجراءً مؤقتًا تفرضه الضرورة؛ إنها سنوات طويلة من الحكم، وربما عقود، يقررها العسكريون قبل أن يقول الشعب كلمته.
والأخطر من ذلك أن الحديث يفترض ضمنًا أن الجيش هو الذي سيقرر متى تصبح الأحزاب «قوية» و«وطنية»، ومتى يصبح الشعب مؤهلًا لممارسة حقه في اختيار حكامه.
وهنا ينبغي أن نسأل بكل وضوح: من أعطى المؤسسة العسكرية حق منح الأحزاب السودانية شهادة الوطنية؟
ومن نصب الفريق العطا وصيًا على السودانيين، يوزع صكوك الوطنية على من يشاء، ويسحبها ممن يشاء؟
الوطنية ليست شهادة تمنحها القيادة العسكرية، ولا امتيازًا يحتكره حزب أو قائد أو مؤسسة.
الوطنية حق مشترك لكل السودانيين، والفيصل فيها هو احترام الوطن والدستور وسيادته ودماء أبنائه، وليس القرب من هذه القيادة العسكرية أو تلك.
نحن لا نقلل من أهمية القوات المسلحة، ولا من دورها في الدفاع عن السودان وسيادته.
بل على العكس، السودان في حاجة إلى جيش وطني مهني قوي وموحد، يحمي الحدود والدستور والشعب، ويكون بعيدًا عن الصراع الحزبي والسياسي.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين قوة الجيش وحكم الجيش.
الجيش القوي هو الذي يعرف حدود مهمته الدستورية.
أما الجيش الذي يصبح هو الذي يحدد شكل الدولة، ويختار رأس السلطة، ويقرر متى تنضج الأحزاب، ويحدد من هو الوطني ومن هو غير الوطني، فإنه يتحول من مؤسسة وطنية إلى لاعب سياسي، مهما كانت النوايا ومهما كانت المبررات.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الفريق العطا على نفسه قبل غيره: إذا كان الجيش لا يريد الحكم، فلماذا يطالب ببقاء القائد العام على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية؟
الحكم لا يصبح عسكريًا لمجرد أن يرتدي الرئيس الزي العسكري؛ بل يصبح عسكريًا عندما تكون المؤسسة العسكرية هي التي تفرض بقاءه وتحدد مستقبل السلطة.
المؤسف أن الخطاب الصادر عن بعض قيادات الدولة العسكرية لا يزال يتحدث عن تحرير الفاشر ونيالا والجنينة، وتجهيز قوات للاندفاع غربًا، وهزيمة الدعم السريع، وكأن السودان أمام معركة عسكرية يمكن أن تنتهي بانتصار طرف كامل على طرف آخر.
لقد قلناها مرارًا، ونكررها اليوم دون مواربة: هذه حرب لا منتصر فيها.
قد يحقق الجيش تقدمًا عسكريًا هنا، وقد تحقق قوات الدعم السريع تقدمًا هناك، وقد تتغير خطوط السيطرة عشرات المرات، لكن النتيجة النهائية واحدة: السودانيون هم الذين يدفعون الثمن، والسودان هو الذي ينزف.
المدن دمرت، والقرى أحرقت، والملايين شُردوا، والاقتصاد انهار، والتعليم والصحة والخدمات العامة تحطمت، والنسيج الاجتماعي تعرض لضربات ربما تحتاج أجيالًا لإصلاحها.
فأي انتصار هذا الذي نتحدث عنه، إذا كان ثمنه أن يخسر السودان أبناءه وأرضه واقتصاده ومستقبله؟
كان الأولى بالفريق العطا، وبالفريق أول البرهان، أن يخاطبوا السودانيين بلغة مختلفة: متى ستتوقف الحرب؟
وكيف سنعيد النازحين إلى بيوتهم؟
وكيف سنعيد بناء الجيش؟
وكيف سنوحد السلاح؟
وكيف سنعيد الدولة إلى مؤسساتها؟
أما الاستمرار في دق طبول الحرب، والحديث عن التوسع العسكري والاندفاع غربًا، ثم ربط انتهاء المرحلة العسكرية ببقاء قائد بعينه في السلطة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، فإنه لا يقدم للسودانيين أفقًا للخروج من الأزمة، بل يقدم لهم مشروعًا مفتوحًا لاستمرار الحرب والوصاية العسكرية معًا.
السودان لا يحتاج إلى رئيس يُفرض عليه البقاء لأن الأحزاب لم تنضج، بل يحتاج إلى دولة تجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص، والدستور أقوى من البندقية، وصندوق الاقتراع أقوى من القوة العسكرية.
أما الحديث عن وحدة السودان… فنحن مع وحدة السودان، وسنظل معها.
ولن تكون وحدة السودان قابلة للمساومة أو الابتزاز من أي طرف.
لكن الحفاظ على وحدة السودان لا يكون فقط بإعلان رفض الانفصال، وإنما بإزالة الأسباب التي تدفع الناس إلى التفكير فيه أصلًا.
إذا استمرت الحرب، وإذا استمرت المليشيات، وإذا استمر التهميش، وإذا استمر استخدام السلاح لحسم الخلافات السياسية، وإذا تحولت الأقاليم إلى ساحات نفوذ عسكري متصارعة، فإن خطر تفتيت السودان لن يأتي من الخارج وحده، بل قد تصنعه الحرب من الداخل.
وحدة السودان تُحمى بالعدالة والمواطنة والتنمية والديمقراطية، وليس بالسلاح وحده.
أما الحديث عن أخطار إثيوبيا أو تشاد أو ليبيا، وعن التدخلات الخارجية، فهو يحتاج إلى أدلة ومعلومات واضحة، لا إلى تحويل كل دولة مجاورة إلى عدو محتمل.
السودان يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تحمي مصالحه، لا إلى صناعة أعداء جدد بينما جبهته الداخلية مشتعلة.
وإذا كان الحديث عن السيادة السودانية جادًا، فينبغي أن يكون شاملًا وعادلًا وغير انتقائي.
قضايا الحدود والسيادة لا تُستخدم حسب مقتضيات اللحظة السياسية، وإنما تُدار بالدبلوماسية والقانون والحقائق.
لقد تجاوز السودان مرحلة الوصاية السياسية منذ زمن بعيد.
والشعب السوداني الذي أسقط أنظمة عسكرية ومدنية، وقدم التضحيات من أجل الحرية والديمقراطية، لا يحتاج إلى من يقرر له متى يصبح «وطنيًا» ومتى يصبح حزبه «ناضجًا».
قد تكون الأحزاب السودانية ضعيفة، وقد تكون منقسمة، وقد ارتكبت أخطاء جسيمة، وهي بحاجة فعلًا إلى إصلاح عميق وتجديد مؤسسي وفكري.
لكن علاج ضعف الأحزاب ليس إلغاء السياسة، ولا تمديد الحكم العسكري، وإنما فتح المجال السياسي وإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية على أسس جديدة.
وإذا كان الفريق العطا يخشى انهيار السودان، فنحن نتفق معه في الخوف على السودان.
لكن الاختلاف يبدأ عند سؤال العلاج.
السودان لا يُنقذ بإطالة الحرب، ولا بتمديد عمر السلطة العسكرية، ولا بإبقاء شخص في قمة الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية.
السودان يُنقذ بوقف الحرب، وبتسوية سياسية شاملة، وبجيش وطني مهني واحد، وبإنهاء ظاهرة الجيوش والمليشيات المتعددة، وبحكم مدني ديمقراطي، وبمؤسسات لا تخضع للأشخاص.
ولذلك نقول للفريق ياسر العطا، وللفريق أول عبد الفتاح البرهان، وللقيادة العسكرية كلها: لا أحد ينتصر في هذه الحرب.
وإذا استمرت، فقد لا يبقى هناك سودانٌ يستطيع أحد أن يحكمه.
فبدلًا من أن تخبروا السودانيين من سيحكمهم لثلاث أو أربع دورات انتخابية، أخبروهم أولًا: متى ستتوقف الحرب؟
ومتى يعود النازحون إلى ديارهم؟
ومتى يعود الجيش إلى ثكناته ومهمته الوطنية؟
ومتى يعود القرار السياسي إلى الشعب؟
ذلك هو الحديث الذي ينتظره السودانيون.
أما توزيع صكوك الوطنية، واختيار الحكام نيابة عن الشعب، فلن يصنع دولة قوية، وإنما سيعمّق الأزمة التي أوصلتنا أصلًا إلى هذه الكارثة.
السودان أكبر من البرهان، وأكبر من العطا، وأكبر من الجيش والدعم السريع، وأكبر من جميع الأحزاب والقيادات.
السودان ليس ملكًا لمن يحمل السلاح؛ السودان ملك لشعبه.
ومن حق هذا الشعب وحده أن يختار من يحكمه، وأن يقرر متى يبدأ الحكم ومتى ينتهي.
لا وصاية عسكرية على السودان.
لا حكم أبدي باسم الحرب.
لا شرعية فوق إرادة الشعب.
ولا نصر في حربٍ يخسر فيها الوطن.




