البرهان والبحث المستحيل عن الشرعية

البرهان والبحث المستحيل عن الشرعية

حسن عبد الرضي

منذ أبريل ٢٠١٩، ظل الفريق أول عبد الفتاح البرهان يخوض معركة طويلة للبحث عن شرعية سياسية لم يستطع، رغم تعدد الاصطفافات وتبدل التحالفات، أن يعثر عليها. ومنذ انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ تحديداً، أصبحت أزمة الشرعية أكثر وضوحاً، إذ لم يعد ممكناً صناعة الشرعية بالقوة العسكرية أو بالتحالفات المؤقتة أو بتدوير الوجوه القديمة.

البرهان اليوم يبدو محاصراً من جهات عدة: اقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً، وأيديولوجياً. وكلما حاول أن يخرج من مأزقه عبر اصطفاف جديد، وجد نفسه أكثر غرقاً فيه. فقد أدت محاولاته المستمرة للاستناد إلى الإسلاميين إلى تحميله أثقالاً سياسية وقانونية وأخلاقية، تراكمت منذ فض الاعتصام، ثم تضاعفت مع الحرب وما ارتبط بها من انتهاكات وجرائم وملفات يصعب على أي سلطة الإفلات من تبعاتها.

المفارقة أن البرهان، الذي احتاج إلى الإسلاميين بحثاً عن قاعدة شعبية، انتهى إلى أن يصبح أسيراً لشروط تحالفه معهم. وفي المقابل، فإن القوى التي امتلكت القدرة على منحه مخرجاً سياسياً حقيقياً لم تكن هي القوى المسلحة ولا التنظيمات الأيديولوجية، وإنما القوى المدنية التي ما تزال تمثل، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين والمجتمع الدولي، الطريق الأكثر قابلية لإعادة تأسيس الشرعية على قاعدة مدنية.

لقد جرب البرهان أوراقاً كثيرة: الاصطفاف مع الإسلاميين، توسيع نفوذ العسكريين، إدارة الدولة بمنطق الحرب، والرهان على الخارج. لكن المحصلة كانت واحدة: كل طريق سلكه بحثاً عن الشرعية قاده إلى مزيد من العزلة، وكل تحالف ظنه سنداً تحول إلى عبء.

والآن تضيق مساحة المناورة أكثر مع العقوبات والضغوط الدولية التي تستهدف أطرافاً مرتبطة بالحرب والسلطة. لذلك تبدو ورقة «الحوار السوداني ـ السوداني» محاولة أخيرة لإنتاج مخرج سياسي من داخل الأزمة. غير أن الحوار، مهما كان عنوانه جميلاً، لا يستطيع أن يمنح الشرعية لمن فقد ثقة قطاعات واسعة من الشعب والمجتمع الدولي.

فالشرعية ليست عطاءً تمنحه سلطة لمن تشاء، ولا شيئاً يمكن انتزاعه بالقوة. إنها عقد أخلاقي وسياسي بين الحاكم والمحكوم، ومصدرها الأول هو الشعب.

ولهذا فإن البرهان، في نهاية المطاف، يحاول أن يعطي عطاء من لا يملك: يبحث عن شرعية لا يستطيع هو أن يمنحها لنفسه، ولا يستطيع حلفاؤه العسكريون أو الإسلاميون أن يصنعوها له. وما لم يعد السودان إلى أصل القضية، أي تأسيس سلطة مدنية تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية، فإن كل المناورات لن تكون سوى تأجيل جديد لأزمة لا يمكن حلها بالقوة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى