أيها الجنرال الحائر في متاهته، من يعفو عن من؟

أيها الجنرال الحائر في متاهته، من يعفو عن من؟
الصادق حمدين
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح أولاً، قبل الحديث عن “العفو” عن قيادات تحالف صمود. فإذا كانت هناك جرائم ارتكبها هؤلاء، فليُقدَّم الدليل وليكن القضاء المستقل هو الحكم. وإذا لم تكن هناك جرائم، فمن أين جاء العفو؟ ومن أعطاك حق العفو عن خصومك السياسيين؟
السودان ليس مملكة عسكرية، والشعب السوداني ليس رعية تنتظر من جنرال حالم أن يمنّ عليها بالعفو كي تنصلح الأمور. السياسة ليست جريمة، والاختلاف مع السلطة ليس خيانة، والاتهامات التي تُطلقها المنابر السياسية لا تصبح حقائق جنائية لمجرد تكرارها في المنابر وترديدها عبر الحناجر الصفراء.
لقد سمع السودانيون طويلاً اتهامات من نوع: العمالة، الخيانة، التآمر، الارتهان للخارج وتهديد الأمن القومي. عملاء السفارات. لكن أين الأدلة؟ وأين المحاكمات؟ إن كان هناك مجرم فليُحاكم، وإن لم يكن هناك دليل فليتوقف استخدام القضاء والنيابة كسلاح في المعركة السياسية.
والسؤال الأكبر: كيف يتحدث البرهان عن العفو، بينما يواجه هو نفسه اتهامات بالغة الخطورة تتعلق باستخدام أسلحة كيمياوية محرمة دولياً في هذه الحرب؟ نحن لا نصدر حكماً قضائياً عليه في هذا المقال، فالإدانة تحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة ومحاكمة. وإذا ثبتت هذه الاتهامات بحقه وهو الراجح بحسب المعطيات التي بدأت بعقوبات أمريكية بحقه، فإن ذلك لا يعتبر مخالفة سياسية عابرة، بل قضية تترتب عليها مسؤولية جنائية دولية خطيرة.
وهنا تصبح المفارقة صارخة: كيف لمن يواجه اتهامات بهذا الحجم أن يقدم نفسه بوصفه مانحاً للعفو عن الآخرين؟
السودانيون لم ينسوا حروب الجنوب، وسد كجبار ومجزرة بورتسودان ولا جبال النوبة، ولا دارفور، ولا النيل الأزرق، ولا شهداء ثورة سبتمبر ولا ثورة ديسمبر ولا فض اعتصام القيادة العامة، ولا الدماء التي سالت خلال عقود طويلة. واليوم يعيشون حرباً أخرى حوّلت مدنهم إلى أنقاض ودفعت الملايين إلى النزوح.
فأي مصالحة هذه التي تبدأ بالعفو عن السياسيين، ولا تبدأ بالحقيقة والعدالة؟
أما تجربة حكومة عبد الله حمدوك، فمن حق الجميع أن ينتقدها وأن يختلف معها. لكنها في النهاية تجربة سياسية. وقد شهدت خطوات مهمة في علاقة السودان بالمجتمع الدولي، وفي مسار إعفاء الديون، ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومحاولات إصلاح الاقتصاد والتعليم والسياسة الخارجية. فشل التجربة أو نجاحها موضوع سياسي، وليس جريمة تُثبت بالخطابة.
السودان لا يحتاج إلى عفو من الجنرال البرهان. السودان يحتاج إلى دولة قانون؛ دولة لا يكون فيها الجنرال خصماً وحكماً وقاضياً وصاحب عفو في الوقت نفسه.
وإذا كان البرهان يريد المصالحة فعلاً، فليبدأ من الطريق الصحيح: الحقيقة أولاً، ثم العدالة، ثم المحاسبة، ثم المصالحة.
لذلك لا تقل للسودانيين: سأعفو عن المدنيين.
قل لهم أولاً: ما الجرائم التي ارتكبوها؟ أين الأدلة؟ ومن أصدر الأحكام بحقهم؟ ومن أعطاك أنت حق إسقاطها؟
إن كانت التهم سياسية، فأسقطوها واعتذروا للشعب عن تحويل الخلاف السياسي إلى بلاغات جنائية. وإن كانت جنائية، فليذهب الجميع إلى القضاء، مدنيين وعسكريين، إسلاميين ويساريين، بلا حصانة لأحد.
فالعدالة التي تستثني الأقوياء ليست عدالة، والعفو الذي يمنحه طرف في الصراع لخصمه ليس مصالحة.
وفي النهاية، لن يبقى السؤال: من الذي عفا عنه البرهان؟
بل: من الذي سيحاسب عندما تنتهي الحرب، وتسقط الحصانات، ويجلس السودان أمام مرآة تاريخه؟
عندها لن تنفع الرتب ولا البيانات ولا خطابات التخوين. ستبقى أسماء الضحايا، وملفات الجرائم، وشهادات الناجين.
وعندها سيعرف الجميع أن السودان لم يكن بحاجة إلى جنرال يعفو عن شعبه، بل إلى دولة تحمي شعبها من أن يحتاج أصلاً إلى عفو الجنرالات.



