اتهامات بالرشوة والتزوير والاستيلاء على المال العام تطال 90 قاضياً
واستثمارات تتجاوز 16 تريليون جنيه
اتهامات بالرشوة والتزوير والاستيلاء على المال العام تطال 90 قاضياً
واستثمارات تتجاوز 16 تريليون جنيه
رحاب مبارك سيد أحمد، المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان
تقرير – استقصائي
في تقرير جديد يحمل الرقم (8) ضمن سلسلة “الملف الأسود”، كشفت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، رحاب مبارك سيد أحمد، عن تفاصيل مثيرة للجدل حول ما وصفته بـالفساد المستشري في أوساط السلطة القضائية السودانية، متهمةً العشرات من القضاة بارتكاب جرائم رشوة وتزوير واستيلاء على المال العام، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة.
يشير التقرير إلى أن المشهد القضائي في السودان يشهد حالة غير مسبوقة من الفساد التي طالت القضاة أنفسهم، الأمر الذي وضع معايير العدالة في قائمة الصفر وسط الجرائم التي يرتكبها القضاة في حق المواطن السوداني دون رقيب أو حسيب، وفق تعبير المصدر. وقد شهد العام 2023 انتشارًا مزعجًا ومخيفًا لهذه الظاهرة، حيث وصل عدد القضاة الموقوفين عن العمل بسبب تهم الرشوة والتزوير والتجاوزات المالية إلى تسعين قاضياً (90)، ويرى التقرير أن انتشار هذه الجرائم في أوساط القضاة ليس صدفة بعد أن تم إفقارهم تماماً وسرقة أموالهم، فالبعض منهم لم يتمكن من الصبر على المصاب الكبير وسقط في بئر المال الحرام، فارتشى وزور وتغول على المال العام لكي يعيش، بينما يعيش المتمسكون منهم بالنزاهة والأمانة أسوأ الظروف المادية معتمدين على (ملاليم) قضائية جشعة تمنح كل شهر في شكل مرتب ضعيف لا يكفيه حتى لطعامه كما ذكر التقرير السابق.
وكشف التقرير عن عدة نماذج محددة لهذه الجرائم التي تنوعت بين شبكات منظمة وتزوير للأحكام ومخالفات مالية، ففي محكمة أمدرمان بمنطقة كرري تكونت شبكة سحب أموال من قاضي وموظف، حيث تم سحب جميع أموال منسوبي قوات الدعم السريع سواء كانوا أفراداً أم شركات بموجب أحكام رضائية مزورة، وبعد التنفيذ كان القاضي يصدر أوامره بسحب المال من البنك المعني وتوزيع الريع بين القاضي والموظف وآخرين يساعدون في إكمال العملية، وقد سحبت ملايين الجنيهات بهذه الطريقة قبل أن يتم اكتشاف الواقعة مؤخراً وإحالة الجميع للتحقيق.
أما في محكمة الاستئناف بولاية النيل الأبيض بمدينة كوستي، فقد اتهم التقرير قاضيين في محكمة الاستئناف بالاتفاق على تعديل أحكام السجن الصادرة بحق تجار مخدرات إلى غرامات مالية، وذلك مقابل رشاوى يتلقونها من هؤلاء التجار، وقد أوقف القاضيان قيد التحقيق. وفي ولايتي نهر النيل والجزيرة، تحدث التقرير عن جرائم تزوير مماثلة في استمارات العقوبة النهائية يتم بموجبها تحويل العقوبات من السجن إلى الغرامات مقابل رشاوى يتلقاها القضاة في مقابل هذا التزوير.
كما أشار التقرير إلى قيام بعض المحاكم بالحكم على متهمين بالتعاون مع الدعم السريع بغرامات مالية طائلة في محاكم البلدية والمدن والأرياف، ثم توريد هذه المبالغ إلى محكمة أمدرمان، في مخالفة واضحة تهدف إلى تجنيب جزء من الأموال على غرار ما كان يحدث في محاكم النظام العام سابقاً. وإلى جانب ذلك، تحدث التقرير عن وجود حالات تزوير في أراضي بمدينة بحري يتم التحقيق فيها حالياً، بالإضافة إلى التغول على المال العام بجمع أموال محاكم البلدية لدى رؤساء الإدارات دون حسيب أو رقيب، حيث يصرفونها على أنفسهم وتصدر لهم تصديقات إدارية دون أي دورة مستندية مع تحويل المبالغ المالية بنظام بنكك.
وفي الجزء الثاني من التقرير، ركزت المحامية رحاب مبارك على اتهامات خطيرة وجهتها للقاضي مالك بكري رئيس إدارة الخدمات، حيث اتهمته بالاستيلاء على جميع الأصول والمزارع التابعة للسلطة القضائية وجعلها تتبع له لا مركزياً تحت إداراته، وذلك بعد أن استثمر كما ذكر في التقارير السابقة في ثلاثة (3) مناجم للذهب في كل من البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، ووصل مبلغ الاستثمارات فيها إلى ستة عشر تريليون جنيه سوداني (16 تريليون)، مع حرمان قضاة السلطة القضائية من ريع هذه الأصول رغم أنها ملك لهم ولم يقدموا بها أي خدمات للقضاة رغم أنها أموالهم.
كما زعم التقرير أن القاضي مالك بكري استولى على مبلغ تريليوني جنيه سوداني (2 تريليون) من مال إدارة التوثيقات استلمها من القاضي أسامة عثمان ولم يردها إلى الإدارة بالرغم من المطالبات المتكررة من القاضي أسامة بردها. وأشار التقرير إلى أن لجنة مراجعة تم تشكيلها لمراجعة أعمال لجنة الخدمات قد تم تجميدها بضغط واحتجاج من القاضي مالك بكري نفسه، مؤكداً أن استثمارات إدارة الخدمات تدار بصورة مركزية وبدون دورة مستندية ولا أعمال مراجعة أو محاسبة من الجهات المختصة أو ديوان المراجع العام، في غياب تام للشفافية والمصداقية.
واستعرض التقرير استثمارات القاضي مالك بكري بأصول أموال السلطة القضائية والتي شملت استيراد ألواح الطاقة الشمسية، ومصنعاً للزيوت بمدينة خشم القربة، ومصنعاً للإنتاج الحيواني “سجوك بيرقر” بمدينة عطبرة، بالإضافة إلى التعدين في ثلاثة (3) مناجم ذهب. ولأجل إدارة هذه الاستثمارات، وفق التقرير، تم تفريغ أكثر من سبعة وثلاثين قاضياً (37) للعمل في إدارة الخدمات، مما حرم قاعات المحاكم من خبرتهم وجهدهم في العمل القضائي، واستعيض عنهم في المحاكم حالياً بقضاة قليلي الخبرة القانونية وصف غالبيتهم بأنهم “شراعنة” لم يدرسوا إلا أحكام الشريعة في جامعاتهم التي تخرجوا منها، ويفصلون في قضايا الحقوق المدنية والجنائية بما لا يعلمون.
يطرح هذا التقرير، في حال ثبوت صحته، تساؤلات جدية حول مدى نزاهة وكفاءة المؤسسة القضائية في السودان، وقدرتها على القيام بدورها كحامية للحقوق والحريات، في وقت يعاني فيه البلد من أزمات متعددة. ويبقى التحقيق القضائي الرسمي والشفاف هو الطريق الوحيد لكشف حقيقة هذه الاتهامات الخطيرة ومحاسبة المسؤولين عنها، خاصة مع غياب أي رد رسمي من السلطة القضائية على هذه الاتهامات حتى الآن.




