قرعُ جرس الامتحانات في نيالا: بدايةُ الانفصال، أم إعادةُ توجيه المركب؟

بدون زعل

قرعُ جرس الامتحانات فى نيالا:

بدايةُ الانفصال، أم إعادةُ توجيه المركب؟

عبد الحفيظ مريود

وإذْ يقتربُ جنوب السّودان من استفتائه الكبير ليقرّرَ مصيره، عام 2011م، سأل صحافىٌّ د. حسن التُّرابى عن اقتراح طرحه وزيرُ الخارجيّة المصرىّ، أحمد أبو الغيط، ليكون مخرجاً للسُّودانيين، وهو الكونفدراليّة. كان ردُّ التُّرابىّ ينضحُ سخريةً: (هل يقرأُ وزير الخارجيّة المصرىّ كُتُبَ القرن الثامن عشر؟).

بعدها، بقليلٍ، سألتُه – حسن التُّرابىّ – ونحن نصنعُ فيلماً لقناة الجزيرة (السُّودان إلى أين؟)، عن توقّعاته لنتائج الاستفتاء، كان موقناً بأنَّ الجنوب قد حسم أمره، وسيمضى باتّجاه الانفصال. تعليله كان منصبّاً حول قطع شرايين الحياة عن عضو من أعضاء الجسد، سيكون ذهابُه حتميّاً.

ولأنَّ مَنْ باتَ يفكّرُ للإسلاميين ولجيشهم ما يزالُ يقرأ كتب التسعينات، فقد جرى تقرير خطوات الاستتباع، أو إرجاع المارقين إلى بيت الطّاعة، كالآتى: الحرمان من الأوراق الثبوتيّة، الحرمان من التعليم، الحرمان من الخدمات – على قلّتها – خاصّةً الكهرباء. فقد دمّر طيران جيش سناء حمد، جزئيّاً، محطّات التوليد فى نيالا، الفاشر، الجنينة. فهل سرّعتْ خطواتُ الاستتباع إعادة المارقين؟.

أحدٌ ما، نصحَ مفكّرى التسعينات بإعادة النّظر فى الخطوات. فقامتْ سلطات الإسلاميين فى بورتسودان بـ (السّماح) للمارقين باستخراج أوراقهم الثبوتيّة (شهادة الميلاد، الرّقم الوطنىّ، الجواز وغيرها). وذلك فى أعقاب إرتكاز المارقين على تحالفٍ سياسىّ وعسكرىّ ضخم، هو تحالف السُّودان التأسيسىّ، الذى تمخّضتْ عنه حكومة السّلام، التى يرأسها محمّد حسن التعايشىّ.

ومع أنَّ مفكّرى التسعينات ما يزالون يعيدون إنتاج المقولات البالية، ظانّين أنَّ ذلك مما يربكُ الخصم، واصفين حكومة السّلام برئاسة التعايشى بأنّها “حكومة فيسبوك”، إلّا أنَّ أصدقائهم نصحوهم بضرورة التعامل مع الأمر بجدّية. لم يستبِنْ الإسلاميون النّصحَ – بالطّبع – بل ظلّتْ آلتهم تلوكُ وتجترُّ مثل بعير كسول ذات الإلكشيهات. فى ذات الوقت الذى كانتِ الأمم المتّحدةُ ترسل مبعوثيها لمقابلة الفريق أول محمد حمدان دقلو، وتعقدُ هى وبعض منظّمات دوليّة، تفاهمات للوصول الإنسانىّ وغيره.

قُرِعَ جرسُ امتحانات الشّهادة السُّودانيّة فى مناطق واسعة تقعُ تحت سيطرة تحالف تأسيس. النقطة الأبرز فى الحدث هى أنَّ المرجفين تجاوزوا ما إذا كان مَنْ قرعه هو محمد حمدان دقلو شخصيّاً أم روبوت. فقد أثبتت وقائعُ عدّة أنّه لم يعد أحدٌ يستجيب لخطرفات الآلة الإعلامية المريضة لجيش سناء حمد.

ماذا تعنى هذه الخطوة؟

هل هى انفصال علنىّ؟

مَنْ طرحَ الإنفصالَ مشروعاً ويسعى إلى تحقيقه؟

قلتُ فى كتابةٍ على هذه صفحتي بموقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) قبل أكثر من عام ” إنَّ الانفصال ترفٌ لا ينبغى أنْ يحلم به الدّاعون إليه من جيش وسياسيىّ الإسلاميين”. ذلك أنّه لم يكن مطروحاً، قطُّ، فى منافحات حركات دارفور، ولم يأتِ الدّعم السّريع على ذكره ولا مرةً واحدة. من يرفعون مطالب فصل دارفور شماليون. وهو مطلبٌ غريبٌ جدّاً فى التأريخ السياسىّ. ذلك أنَّ الاقليم الذى لا يجدُ نفسه ضمن مشروع الدّولة يطالب بالانفصال. بمعنى أنَّ أهل الإقليم الشّمالى إذا لم يجدوا نفسهم ضمن مشروع السُّودان الجديد، أو أىّ مشروع وطنىّ آخر، فإنَّ عليهم أنْ يطالبوا بانفصال إقليمهم عن السُّودان الكبير، لا العكس. والواضحُ وضوحَ الشّمس فى رابعة النّهار هو أنَّ الغالبية من النُّخبة الشّمالية لا تجدُ نفسها فى المشاريع القادمة من غيرها، والتى تعبّرُ – ببعض التجاوز – عن آمال وأحلام الكثيرين فى بقاع السُّودان الأخرى. لكنْ عوَضاً عن المطالبة بفصل الإقليم الشّمالىّ، ظلّتِ النُّخبةُ تطالبُ بفصل الأقاليم الأخرى: افصلوا الجنوب، افصلوا دارفور، ثمَّ قريباً جدّاً افصلوا جبال النُّوبة، افصلوا النّيل الأزرق.

شايف كيف؟

قرعُ جرس الامتحانات للشّهادة السُّودانيّة فى نيالا ليس خطوةً فى طريق الانفصال.

كتابُ التسعينات يقولُ للإسلاميين: تمَّ القضاءُ على الدّعم السّريع ولم يتبقَ غير بضع سيّاراتٍ تهيمُ على وجهها، غرب النّيل.

لكنَّ عيون الدّهشة تتسعُ حين يعلنُ الدّعم السّريع سيطرته على مدينة “الكُرمُك” الحدوديّة ويواصلُ تقدّمه. ذلك غير موجود فى كتاب التسعينات، بالطّبع. مثلما ليس موجوداً فى ذات الكتاب هناك إمكانيّة لإجراء امتحانات للشّهادة السُّودانيّة، داخل السُّودان، دون إذنٍ من سلطات بورتسودان.

هل فهمتَ الدّرس؟

لم تَعُدْ مسيطراً. لم يعد أحدٌ ينتظرُ منك أنْ يمتحن. أنْ يسافر. أنْ يستخرجَ شهادة ميلادٍ لابنه.

ستشهدُ ذهابَ كل شيئٍ، قريباً.

إعادةُ توجيه الدّفة يعنى خضوعك للمسار الجديد.

تفتحُ المدراسُ بلا إذن منك، الجامعات، المستشفيات، ثمَّ المطارات، يتمُّ تشغيل الكهرباء، المياه، تنبطعُ العملة، تُرصَفُ الطّرق، تشتغلُ شبكاتُ الاتّصالات..الخ.

أنتَ لم تَعُدْ مسيطراً.

سترجعُ لتقاتل دفاعاً عن مدينتين، قريباً.

سيتمُّ طرد ممثليك من الأمم المتّحدة، الاتّحاد الافريقىّ.

وقريباً ستقومُ دولٌ بطرد بعثاتك الدبلوماسيّة.

شايف كيف؟

ما مصدّقنى؟

على كيفك يا زول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى