حين ترتجف السلطة من صوت المعلم

حين ترتجف السلطة من صوت المعلم
حسن عبد الرضي
مرة أخرى تكشف السلطة عن حجم القلق الذي يعتريها أمام صمود المعلمين ووحدة صفوفهم والتفافهم حول قضاياهم العادلة. فبدلاً من أن تنشغل حكومة “الأمل” بمعالجة أزمة الأجور المتدنية، وتأخر المستحقات، وانهيار البيئة التعليمية، اختارت أن تستدعي رئيس لجنة المعلمين السودانيين بولاية كسلا الأستاذ سيد تمبة للتحقيق معه بسبب نشاطه النقابي ومتابعته لقضايا زملائه المعلمين.
يا للمفارقة!
في دولة تحترم نفسها يُكرَّم من يدافع عن التعليم، أما عندنا فيُستدعى للتحقيق لأنه تجرأ على رفع صوته مطالباً بحقوق المعلمين. وفي دولة تسعى للنهوض بالتعليم يُستمع إلى المعلمين باعتبارهم أهل الاختصاص، أما هنا فتُستدعى القيادات النقابية وكأنها ارتكبت جرماً عظيماً لمجرد أنها وقفت إلى جانب المعلم المقهور.
إن هذا الاستدعاء لا يكشف قوة الأجهزة الأمنية كما قد يظن البعض، بل يكشف خوفها. فالسلطات الواثقة من نفسها لا ترتعب من البيانات السلمية، ولا تنزعج من المطالب المشروعة، ولا تستدعي النقابيين بسبب نشاطهم العلني المعروف. أما عندما تصبح متابعة حقوق المعلمين ملفاً أمنياً، فإن ذلك يعني أن السلطة قد فقدت قدرتها على مواجهة الحقائق بالحجة والمنطق، فلجأت إلى أساليب الترهيب والتخويف.
لكن ما يبدو أن هذه الجهات لم تدركه بعد هو أنها تتعامل مع رجال ونساء اختاروا مهنة التربية والتعليم، وهي مهنة تصنع الوعي وتربي الأجيال على الكرامة والحرية. ولذلك فإن التحقيق مع قيادات لجنة المعلمين ليس مصدر خوف لهم، بل هو وسام شرف جديد يضاف إلى سجل طويل من النضال دفاعاً عن كرامة المعلم وحقوقه.
لقد أثبتت لجنة المعلمين السودانيين خلال السنوات الماضية أنها ليست تنظيماً عابراً، وإنما صوت حقيقي للمعلمين في كل أنحاء السودان. تحملت حملات التشويه، وواجهت التهديدات، وصمدت أمام الضغوط، واستمرت في الدفاع عن حقوق المعلمين عندما اختار آخرون الصمت أو المساومة.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية تظن أن استدعاء الأستاذ سيد تمبة سيوقف هذا الحراك، فإنها لم تقرأ المشهد جيداً. فالقضية لم تعد قضية فرد أو قيادة أو ولاية بعينها، بل أصبحت قضية آلاف المعلمين والمعلمات الذين يدركون أن انتزاع الحقوق يحتاج إلى الصبر والثبات والتنظيم.
إن الخيبة الحقيقية ليست في استدعاء قيادي نقابي للتحقيق، وإنما في عجز حكومة رفعت شعارات الأمل عن تقديم حلول حقيقية لمشكلات التعليم. الخيبة أن يتحول المعلم، الذي يفترض أن يكون موضع احترام وتقدير، إلى هدف للملاحقة بسبب مطالبته بحقوقه. الخيبة أن تُهدر الطاقات في مراقبة النقابيين بدلاً من معالجة الانهيار الذي يضرب المؤسسات التعليمية.
ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لن تحقق ما تريده السلطة. فالتجارب أثبتت أن التضييق لا يصنع الاستقرار، وأن استهداف القيادات لا يوقف المطالب، بل يمنحها مزيداً من الشرعية والانتشار. وكل استدعاء جديد هو دليل إضافي على أن صوت المعلمين قد وصل، وأن رسالتهم باتت تؤرق من اعتادوا تجاهلها.
التحية للأستاذ سيد تمبة، والتحية لكل المعلمين والمعلمات الذين يقفون بثبات دفاعاً عن كرامة مهنتهم وحقوق زملائهم. والتحية للجنة المعلمين السودانيين التي أثبتت مرة بعد أخرى أن صوت المعلم لن يصمت، وأن طريق الحقوق قد يكون طويلاً، لكنه لا يُغلق بالاستدعاءات ولا بالتهديدات.
فليعلم الجميع أن المعلمين الذين يصنعون الوعي في الفصول لا ترهبهم غرف التحقيق، وأن من يحمل رسالة التعليم أكبر من أن يخيفه استدعاء، وأقوى من أن تكسره إجراءات الترهيب مهما تعددت أشكالها.



