الحج.. أثناء الحرب؟!

الحج.. أثناء الحرب؟!

د. عمر القراي

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِِ)

صدق الله العظيم

جاء في الأخبار، العجيبة، التي ترد من السودان، في هذه الأيام (أعلن أمين أمانة الحج والعمرة بولاية النيل الأبيض محمد يوسف سليمان عن تكلفة الحج لموسم 1447 هـ. حيث بلغت تكلفة الحاج بالبحر 14,643,599 جنيه وبالطيران 18,957,309جنيه)!!

أول ما تجدر الإشارة اليه، هو أن الحج، وهو ركن من أركان الإسلام، قد جاء مشروطاً بالاستطاعة، ومن الاستطاعة توفر الرزق، وتوفر الأمن، كما جاء في دعاء، سيدنا إبراهيم الخليل، عليه السلام. فهل واقع الحرب، واستمرارها، والقصف بالطيران، والمسيرات، وبالبراميل المشتعلة، وبالسلاح الكيميائي، والاعتقالات العشوائية، والعنصرية، والنهب المسلح، بواسطة قوات الجيش والمشتركة، عند الارتكازات للمواطنين، هل كل ذلك، لا يعني غياب أمن كل شخص، على نفسه، وأولاده، وبيته؟! وليس أدل على غياب الأمن، حتى في مناطق سيطرة الجيش والحركات المسلحة كمدينة أمدرمان (أحياء الثورة)، مثل النشرة الأمنية التي صدرت مؤخراً من إعلام الشرطة المجتمعية بالثورة الحارة 18 والتي حوت عدد من الإرشادات بغرض “سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات” مثل: “6- تفعيل الطواف الليلي لشباب الحي حفظا للأمن، 13- الحذر من منتحلي صفة القوات النظامية…، 16- عدم حمل الهواتف والمبالغ المالية ليلاً وفي الصباح الباكر تجنباً لخطر اللصوص”. فهل يجب الحج على هذا الشخص غير الآمن، أم إنها محاولة لامتصاص دمه، بواسطة اللصوص باسم الدين؟!.

ثم إن الحرب نتج عنها، غير غياب الأمن، إفقار المواطنين، وتحطيم بيوتهم، وسرقة مقتنياتهم، وبعثرتهم بين النزوح واللجوء، في دول الجوار. فإذا نجا أحدهم من ويلات الحرب، فإنه لا ينجو من آثارها، فقد توقفت الخدمات، ولم تعد الدولة تعطي مرتبات، لأن إمكاناتها توجهت لشراء السلاح، وتوفير الذخيرة، بدلاً من توفير الخبز، والماء، والكهرباء. وإذا كنا، جميعاً، قد استمعنا الى تسجيل عميد كلية الطب، بجامعة الخرطوم، الذي قال فيه أن مرتبه حوالي 400 ألف جنيه (ما يعادل 100 دولار في الشهر)، فمن أين للمواطن 18 مليون جنيه حتى ينفقها على الحج؟!.

ومع أن الحج فريضة، وركناً أساسياً من أركان الإسلام، فإنه جاء في ترتيبه بعد الصدقة.. فإذا كان الحج يكلف أموالاً طائلة، فإن الواجب الديني، هو ألا يجمع المسلم هذه الأموال، بإمساكها عن المحتاج من أهله، أو جيرانه، أو فقراء البلد الذي يعيش فيه، حتى يسافر بها الى الحج، فإن إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وعلاج المريض، أولى من الحج.. وإذا كنا، في السودان، نعاني من ويلات الحرب، والنزوح، وظاهرة النازحين، والجوعى، والارامل، والايتام، فإن واجب الأثرياء أن ينفقوا جزء من أموالهم لنجدة هؤلاء، وتأسيس ما يساعدهم على البقاء والاستقرار، بدلاً من إنفاق الملايين على الحج.

إن المسلم الصادق، الذي يعرف حقائق دينه، لن يستطيع الحج في ظروف السودان الحاضرة، لأنه لو استطاع جمع الملايين التي يتطلبها، فسيجد حوله من أهله، أو جيرانه، من يحتاج لهذا المال ليسد رمقه من الجوع، ويعف ابناءه وبناته، ويحفظ أطفاله من التشرد، وهذا لعمري أفضل بما لا يقاس من الحج.. ولعل كثير من الناس، يرغبون في الحج، لما ورد عليه من الثناء في الدين.. فقد جاء في الحديث (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).

ولكن الحج المبرور، هو حج الأبرار، و(البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في النفس وخشيت أن يطلع عليه الناس)!! وأحسن حسن الخلق، إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع.. فإذا وضح كل ذلك، أصبح النظر في أمر الحج، في هذه الظروف، واجباً دينياً، إن قصر عنه العلماء، الذين خضعوا للسلطان، فيجب ألا يقصر عنه عامة الناس، الذين يهمهم أمر دينهم، وما لحق به من تطفيف.

إن قضيتنا الدينية والاجتماعية الأولى هي الحاجة وليس الحج!! الحاجة الى الأمن والحاجة الى القوت. وواجب الحكومة والأفراد مواجهة هذه القضية، بدلاً عن الانصراف عنها بمظاهر دينية، ليست في حقيقتها من الدين، مثل الحج في هذه الظروف.

ومن أسوأ الممارسات التي تتم باسم الحج، أن تقوم المؤسسات الحكومية، بدفع تكاليف الحج لكبار الموظفين، من وكلاء وزارات، وموجهين تربويين، في وزارة التربية والتعليم، وغيرهم.. وهي إنما تفعل ذلك بأموال دافع الضرائب، فلكأن الحكومة تأخذ أموال الفقراء المحتاجين، لتنفقها دون موافقة اصحابها، على كبار الموظفين، الذين هم أفضل حالاً منهم.. وهذه من ناحية مفارقة للدين الذي لم يفرض الحج إلا على المستطيع، ومن ناحية أهم، هي ممارسة للظلم وأكل أموال الناس بالباطل.. فبينما يجلس كثير من الطلاب، ليأدوا امتحان الشهادة على الأرض الجرداء في هجير الشمس، لأن الوزارة لا تستطيع ان توفر “صيوان” يمتحنون فيه، تدفع الوزارة الأموال الطائلة، ليحج كبار الموظفين فيها!!

لقد أصبحت أعداد الحجّاج كبيرة في الآونة الاخيرة، وقد تصل إلى مليوني شخص، تجبرهم مناسك الحج على التزاحم في مساحة محدودة، مما يتسبب في موت عدد كبير من الحجاج، بلغ في إحدى السنين مئتى شخص!! ولما كان هذا الموت يتكرر في كل عام، فإن أي حاج معرض لهذا التهديد، مما يجعله غير آمن على نفسه، وهذا يتناقض مع الاستطاعة، التي من ضمنها أن يكون آمناً على حياته، وما يملك، حتى يؤدي المناسك، ويرجع الى اهله بخير.. وهذا الوضع المأساوي يجعل كل مسلم في حل من فريضة الحج حتى يتغير هذا الأمر.

ولعل محبة المسلمين للدين، وللأماكن المقدسة، تهون في نظرهم هذا الخطر، بل أن منهم من يحبذ الموت في الحج، على الرجعة لأهله.. وهذا فهم خاطئ للدين، فالإنسان يجب ألا يجزع من الموت إذا أدركه، ولكن يجب الا يطلبه، بسبب السخط وعدم الرضا عن واقعه، أو بسبب الرغبة في أن يدفن في أي مكان، أو قرب أي أحد، وذلك لأنه لا يعلم أين، وكيف، تدركه المغفرة والرحمة، على وجه اليقين.. بينما يعلم إنه يجب أن يستثمر كل لحظة من حياته، ليحقق أكبر ما يستطيع من العمل صالح.. وكون هذه الأرواح تزهق في كل عام، مفارقة كبيرة لروح الدين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لأن تنقض الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من قتل إمري مسلم)!! ولئن فهم الفقهاء هذه الأحاديث في إطار جرائم القتل، إلا أن بشاعة القتل نفسها جاءت من انه إهدار لحق الآخر في الحياة، وهذا هو الأمر المقدس حقيقة في جوهر الدين، بأكثر من قدسية البيت الحرام، ولهذا أشار إلى أن تحطيم البيت نفسه، لا يقارن عند الله بغضبه على قتل المسلم. فهل يرضى الله عن علماء المسلمين، وهم صامتون على إهدار هذه الأرواح، بدلاً أن يجتهدوا بما يحد من زهق هذه الأرواح، والتضحية بها، في سبيل إقامة شعيرة من شعائر الدين؟! ويمكن أن يتجه الاجتهاد الى تقليل عدد الحجاج، بأن تعطى فرصة لعدد محدود لكل بلد، يتفاوت حسب عدد السكان، على أن يتم الاختيار عن طريق القرعة، فينوي عدد كبير من المواطنين في كل بلد الحج، ويختار منهم عدد قليل، بينما تكتب الحجة عند الله لكل من كان ينوى الحج صادقاً، ورضا بعدم إعطائه الفرصة، كوسيلة لحفظ أرواح الحجاج الآخرين.. وهكذا يكون مجموع الحجاج عدد معقول، لا يسبب الزحام الذي يقتل المئات. ولكن هذه المعالجة، لا ترضي الشركات والوكالات، والمؤسسات الحكومية، والدول التي تربح أموالاً طائلة من وراء الحج في كل موسم، ولا يهمها ان كانت هذه الأموال مخضبة بدماء الأبرياء من المسلمين، الذين يموتون كل عام بسبب هذا الزحام المفتعل، والذي يجب ان يتم النظر في معالجته.

إن واجب السودانيين في الخارج، والذين يرسلون الى أهلهم في السودان، أن يرسلوا ما يدرأ الجوع والفاقة، ويسهم في توفير الضروريات، لا أن يرسلوا الملايين لذويهم، ليحجوا بها، بينما الناس من حولهم يموتون بالحرب، وبالجوع. ويجب على الذين يشعرون بعدم الأمن في السودان، والذين هم مهددون بالموت من الزحام في مكة، أن يعلموا أن الله لم يكتب عليهم مثل هذا الحج، الذي ينطوي على الهلاك، اقرأوا ان شئتم قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى