دولة عصابات الكيزان (2-2)

دولة عصابات الكيزان (2-2)

محمد الحسن أحمد

​تناولنا في المقال السابق كيف تُسارع الحركة الإسلامية الإرهابية الخطى نحو تحطيم ما تبقى من سودانٍ أفلت من الدمار إبان حقبة حكمها المشؤوم، والمتصل بانقلاب خادمها عبد الفتاح البرهان، ووأد كل ما تم من عودة لحضن المجتمع الدولي، وإصلاح اقتصادي، وانفتاح على الحياة.

​ليس من نافلة القول إن غالبية عناصر وقيادات الحركة الإسلامية الإرهابية كانت من قاع المجتمع فقراً، غير أنها استفادت من مجانية التعليم والعلاج وكثير من الخدمات التي كانت تقدمها الدولة السودانية، ولو أنهم عاشوا تحت حكمهم لتبددوا ما بين فاقد تربوي وعامل عاطل عن الموهبة. وبمجرد استيلائهم على السلطة، حطموا جسر الخدمات تلك، وسلّعوا التعليم والعلاج، وجعلوا البلاد التي رعت الجميع دولةً “دُولةً بين أغنيائهم” وفقراء المجتمع.

​وامتداداً لتلك السياسات التدميرية، أهانوا المعلمين وأذلوهم، وعبثوا بالمناهج فأضحت غثاءً. وها هم تحت سلطة حربهم العبثية يعتقلون المعلمين لمجرد المطالبة بتحسين أجورهم، حيث يبلغ راتب الأستاذ الجامعي 120 دولاراً فقط. وبالطبع، فإن خراب التعليم يدفع ثمنه المواطن؛ فأبناء “الضِباع” من الكيزان يتلقون أحسن أنواع التعليم في عواصم العالم، تمهيداً لعودتهم حاكمين على الجهلاء من الشعب السوداني، وهيهات لهم ذلك.

​يكفيك عزيزي القارئ إجالة النظر في كل موضع من البلاد المنكوبة بفعل الكيزان.. انظر شرقاً لترى المليشيات وقد تكاثرت وتناسلت برعاية خارجية وداخلية، تتحفز للانتشار في كامل إقليم الشرق، فالجيش مجرد “خيال مآتة” يتحرك تحته كابوس الكيزان، والدولة مجرد فريسة التهمها لصوص المعادن والدين، ومن خلفهم المليشيات.

​نظرة خاطفة إلى الوجوه الشاحبة الخائفة والأجساد الهزيلة تنبيك، عزيزي القارئ، عن نفوس يخايلها الموت جوعاً وقتلاً، وعن أرواح أنهكها النزوح واللجوء؛ فالأسعار المشتعلة بلا ضوابط تقضي على القليل من الزاد، ولا أمل يلوح في الأفق يمنح الناس بعضاً من الرجاء بالسلام تحت ظل عصابات متطرفة تتزيا بزي الجيش والشرطة، وتتخذ من الدين مطية للموت.

​كل ما سبق غيض من فيض الكيزان وجرائمهم غير المحدودة، ونتيجة حتمية لتلاشي مفهوم الدولة وتماسك المجتمع، وهو ما ينذر بشر مستطير حال استمرار “حرب الكرامة” العبثية وإجهاض محاولات السلام ووضع حد للأزمة السودانية المتطاولة. ووسط كل هذا الظلام، يومض القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية متطرفة، ليبقى الأمل معقوداً بتنفيذ القرار؛ فلن يبقى للسودان أثر ما بقي الكيزان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com