أخوان السودان بالزي العسكري

أخوان السودان بالزي العسكري

]حرب السودان ليست مجرد صراع بين جنرالات، بل هي ثورة مضادة مدعومة من جماعة الإخوان المسلمين، تتستر وراء العلم/الراية الوطنية.[

ألكسندر فرانسيس شو

٣ مارس ٢٠٢٦م

العلم ليس رمزاً محايداً

إن السردية المفترضة للحرب السودانية مؤثرة للغاية، فهي تُصوّر الحرب كصراع بين جنرالين: جنرال حميدتي، قائد التحالف البدوي المعروف دوليًا، وعبد الفتاح البرهان، الذي تُقدّم قواته المسلحة السودانية نفسها دوليًا على أنها آخر مؤسسة سيادية تقف في وجه فوضى الميليشيات.

من ناحية أخرى، العلم/الراية الوطنية هو ما يساعد البرهان في الحفاظ على السلطة. حيث دأب على تصوير قواته على أنها الطرف السيادي والقانوني، و ذلك بمثابة دعاية قوية للنظام الدولي القائم على القواعد السائد حالياً؛ وهو السمة المميزة لأوكرانيا وإسرائيل. فالسيادة الدستورية تمنح حق الاعتراف الدبلوماسي، والسيطرة على السفارات، والوصول إلى أسواق الأسلحة، ومقعدًا في الأمم المتحدة. كما أنها تضفي طابعًا تنظيميًا على الأعمال الحربية.

الأيديولوجية الكامنة وراء الزي العسكري

مع ما سبق ذكره، الواقع على الأرض يتم التعبير عنه بمفردات أيديولوجية، لا قومية. لذلك، لفهم ما آلت إليه القوات المسلحة السودانية، لا بد من تجاوز الزي العسكري والنظر إلى المحرك السياسي الكامن وراءه. حيث لم تُفكَّك شبكات الإسلاميين “الكيزان”  التي بُنيت خلال حكم عمر البشير الذي دام ثلاثين عامًا. بل تغلغلت في صفوف الضباط وأجهزة المخابرات والبنية التحتية الاقتصادية للدولة، واليوم، تُبشِّر ثلاث شخصيات بعودتها:

* علي كرتي – استراتيجي سياسي. بصفته الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، يُمثِّل كرتي حلقة الوصل بين الجيش السوداني والجهاز الأيديولوجي للإخوان المسلمين. دوره ليس قيادة تكتيكية، بل تنسيق استراتيجي: بغرض ضمان أن تحافظ الحرب على المشروع الإسلامي وتمنع أي انتقال مدني بعد الحرب.

* علي عثمان طه – مُنظِّر أيديولوجي، نائب البشير لفترة طويلة، وأحد مهندسي الدولة الإسلامية في السودان. صاغ طه عقيدةً دمجت الدين بالخدمة المدنية. وتُصوّر شبكاته الحربَ على أنها ضرورية لبقاء الدولة و الفكر.

* أحمد هارون – شخصيةٌ مُدانةٌ من قبل المحكمة الجنائية الدولية، عادت للظهور بعد اندلاع الحرب، وقد ربطت تاريخيًا بين هياكل الدولة الرسمية والميليشيات غير النظامية. تكمن أهميته في حشد القواعد القبلية وإعادة توظيف الخطاب نفسه الذي غذّى الفظائع التى تم إرتكابها فى دارفور سابقا.

البرهان ليس إلا واجهةً لهؤلاء المتطرفين، الذين يتزامن صعودهم مع حركةٍ أخرى يجب على العالم أن يُلم بتفاصيلها: كتيبة البراء بن مالك. يقاتل هؤلاء الأصوليون جنبًا إلى جنب مع وحدات القوات المسلحة السودانية، ولا يُغلّفون خطابهم بلغةٍ تكنوقراطية، بل تستحضر مقاطع الفيديو والخطابات الخاصة بهم النصر الإلهي والاستشهاد وتطهير الدولة.

عودة الكيزان

كانت تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السودان، من عام ١٩٨٩م إلى عام ٢٠١٩م، بمثابة الاستيلاء الكامل -الوحيد من نوعه- على الدولة من قِبل حركةٍ تابعةٍ للجماعة في أي مكانٍ في العالم. بعد فترة هدوء وجيزة، يمكن أن ندرك أن ما نشهده الآن ليس حربًا أهلية بين جنرالين، بل ثورة مضادة تُشنّ تحت حماية رايةٍ ما. لا تدعوا المظاهر تخدعكم.

يشهد السودان اليوم أكبر أزمة نزوح في العالم. تُفرغ مناطق بأكملها في دارفور، ويُجبر سكانها المدنيون على النزوح ليس فقط بسبب اشتباكات فى ساحات القتال، بل أيضًا بسبب التدمير المتعمد للأحياء، والاغتيالات، والإرهاب الممنهج المصمم لتغيير الواقع الديموغرافي.

تتزايد حدة الإتهامات، بما في ذلك من مسؤولين أمريكيين ومنظمات غير حكومية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، باستخدام أسلحة كيميائية. و يُمثل ذلك تصعيدًا خطيرًا: هذه ليست مجرد حرب، بل إحياء لأساليب ارتبطت بأحلك فصول ماضي السودان.

في دارفور وغيرها من المناطق المتنازع عليها، لا تقتصر الحرب على محاولة هزيمة قوات الدعم السريع التابعة لمحمد حمدان دقلو، بل تتعداها إلى تطهير المجتمعات غير العربية نفسها التي استُهدفت في عهد البشير.

عودة الإخوان المسلمين بالكامل

لمقارنة أسلوب عمل جماعة الإخوان المسلمين في السودان بساحة أخرى، نجد أن حركة حماس هي الحركة المسلحة الأكثر شهرةً دوليًا والمرتبطة بالجماعة. حيث تعمل حماس كقوة متمردة، وتعتمد على حرب غير متكافئة، والأنفاق، والصواريخ، والهجمات المفاجئة. عقيدة العنف المنتهجة من قبلها صادمة وواضحة للعيان.

لكن حماس لا تسيطر على السلاح الجوي، ولا تُدير سلطات جمركية سيادية، ولا تُنظم ممرات إنسانية لبلد بأكمله. لذا يُمثل السودان نموذج الدولة الذي تُمارس فيه جماعة الإخوان المسلمين سلطتها. فإذا كانت فروع الإخوان المتمردة قادرة على زعزعة استقرار مناطق، فإن فروعها السيادية قادرة على تفكيك دول.

لم يعد السؤال المطروح يتعلق بما إذا كان السودان فى طريقه إلى الإنعيار، بل السؤال هو ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا للاعتراف بأنه، باسم “الاستقرار”، قد يُضفي الشرعية على إعادة إحياء الدولة الإسلامية نفسها التي أطاح بها المدنيون السودانيون؟! وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يعنى ذلك فى ضوء استعدادنا لقبول شرعية نظام متطرف آخر؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى