حصاد الألف يوم: عودة العهد المباد

حصاد الألف يوم: عودة العهد المباد
خالد فضل
الثمرة الشهية التي قطفها أنصار تنظيم الإسلاميين “المؤتمر الوطني” هي عودتهم بالكامل للسلطة في الأجزاء التي يسيطر عليها الجيش ومليشياته أو التي استعاد السيطرة عليها في عمليات الكر والفر والإنسحابات المتبادلة مع قوات الدعم السريع .
إنّ الذين يحصون النتائج الكارثية أو يتألمون لحجم المآسي الإنسانية والفواجع العاطفية التي حاقت بالمواطنين السودانيين أو مقدار الخسائر المادية التي لحقت بهم وبالممتلكات العامة إنما يتصورون أنّ جماعة هذا التنظيم تنطلق مثلهم من نفس الدوافع الإنسانية والوطنية, وربما فات عليهم في غمرة عواطفهم الجياشة أو افكارهم الخيّرة النيّرة أنّ هذا التنظيم يربي عضويته على فرضية آحادية الإتجاه مركزها هم الحق في مقابل الآخر الذي يمثل الباطل, لذلك تعتبر كل الخسائر التي حاقت بالشعب والبلاد فداء لإنتصارهم الذي هو انتصار للخير على الشر والحق على الباطل والإسلام على الكفر. جماعة شعارها فلترق منّا الدماء أو ترق منهم دماء أو ترق كل الدماء, ثم تتمة الأهزوجة في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء .
كان واضحا أنّ تمركز التنظيم ونواته الصلبة في قيادة وضباط القوات المسلحة بنسبة غالبة فيما يتمتعون بالسيطرة الكاملة في جهاز الأمن والمخابرات والمؤسسات الأمنية المماثلة كالإستخبارات وأقسام الشرطة الأمنية والسياسية, ثم تمركزهم في مفاصل الثروات والمال، وتمكنهم من بناء شبكات تضليل إعلامي ودعائي قوية ومؤثرة, وبالتالي امتلكوا أدوات السيطرة, البندقية والمال والبوق الدعائي. في مقابل ضعفهم السياسي والفكري وخوائهم الروحي والأخلاقي فما النتيجة المتوقعة من بشر بهذه المواصفات, وما المعيار الذي يقاس به أداء تنظيم بهذه الدرجة من الوقاحة .
لقد قال قائلهم ذات يوم أنّه يكذب ويتحرى الكذب لأنّه يدافع عن الفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي, وأنّ الرسول (ص) أجاز الخدعة وهي أكبر من الكذب طالما كانت النية هي نصرة الدين. هكذا ينظرون إلى الإسلام ليس كمعتقد روحي يهذّب النفوس ويرقيها في مضمار العرفان والجلوة المرتبطة بمكافحة نوازع الشر وتقليم النزوات بل عندهم الدين والإسلام مطية لتراكم الثروة وبسط الهيمنة وارتكاب الموبقات تحت ذريعة (خلوص النوايا), ففي تمارين البيادة الصباحية في ميدان التدريب العسكري يجب أن تكون (الجكّة دي لله), أرأيت باطلاً متسربلاً بثوب الحق أكثر من هذا يا صاح, ثم تأتي بعد الألف يوم تتحدث عن إزهاق الأرواح البريئة!! وقد قال زعيمهم عمر البشير في أمسية رمضانية حفّها حضور من أهل دارفور في مناسبة تكريم القاص إبراهيم إسحق: كيف نطلب الرحمة والغفران من الله في شهر رمضان ونحن نقتل الناس لأتفه الأسباب في دارفور. علماً بأنّ المحكمة الجنائية الدولية كانت قد خلصت إلى توجيه الإتهامات لعمر البشير وأحمد هرون وعبدالرحيم محمد حسين وعلي كوشيب بالمسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتشمل الإغتصاب والتطهير العرقي ضد مجموعات الزغاوة والفور والمساليت على وجه التحديد ولكن البشير وتنظيمه الإسلامي وجماعته العابدة الخاشعة لله المنافحة عن الدين الحق وصفها بأنها إتهامات باطلة وكيدية ضد رموز الإسلام, البشير يتحدث يتساءل بصيغة التقرير عن غفران الله لمن يقتلون الناس لأتفه الأسباب, وعندما يواجه بالتحقيقات العدلية المرموقة ومسؤوليته عمّا يتساءل عنه يرد الأمر إلى كيد الكائدين, إنّه العهد الذي عاد يا صاحبي كثمرة للحرب بعد يومها الألف .
لقد حاول جمع مستنير من السودانيين/ات خاصة الأجيال الشابة شق طريق آخر مغاير يقود للوصول إلى وطن في الحدود الدنيا من المعقولية, على الأقل لا تزهق فيه الأرواح بدون سبب أو لأتفه الأسباب, واجه الشباب والشابات في طريقهم ذاك آلة القتل والقمع والإنتهاكات الجسيمة على يدي زبانية التنظيم الإسلامي المتمركزة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدعائية, إرتقى آلاف الشهداء على مدار ثلاثين سنة كبيسة, توجت في أبريل2019م بخلع البشير دون أن تكتمل الحلقة بتفكيك مقر القيادة ونقطة المركز الصلب في الجيش وأجهزة الأمن والمال والإعلام, فكانت الحرب آخر طلقة في جعبة كيد الإسلاميين لما رأوا فشل الإنقلاب في 25أكتوبر 2021م وترنح مقبض الزمام على وقع خطة الإتفاق الإطاري, وقد كانت الخطة تقتضي اقصاء المكون العسكري عن السيطرة على السلطة وإلزامه بحدود شغله وخضوعه للسلطة المدنية تمهيداً لإستعادة المسار الديمقراطي للبلاد, هذه التطورات تمت قراءتها جيداً من جانب تنظيم الماكرين, ولم يك من سبيل لوقف التحول والتغيير إلا عن طريق خبرتهم العدمية, فلترق كل الدماء. لذلك لا عجب البتة أن يحتفلوا بشلالات الدماء, وبأكداس الأشلاء, ويهللون لحفلات الشواء البشري يصفون القتلة بصانعي الكباب. تبا لهم تباً. لقد عادوا إلى السلطة الفعلية في بعض أنحاء السودان, لكن هناك أنحاء خرجت ولن تعود مهما عظمت التضحيات, ذاك هو الأمل الوحيد بعد الألف يوم.


