فلنغن للسلام… حين يتحول الفن إلى موقف

لم يكن مساء نيروبي عادياً، ولا كانت قاعة رويال ريستران مجرد مساحة مغلقة احتضنت حفلاً فنياً عابراً. كان المكان، في هذه الليلة، أشبه بوطن مصغر، تتقاطع فيه الذاكرة بالحلم، وتتعانق فيه الأغنية مع القصيدة، ويعلو فيه صوت السلام فوق ضجيج الحرب.

حفل (فلنغن للسلام) جاء كثيف الدلالات، عميق الرسائل، ومشحوناً بطاقة إنسانية نادرة، حضره جمع غفير من السودانيين المقيمين بنيروبي، إلى جانب ممثلين لمختلف الكيانات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعدد من الأصدقاء الأجانب الذين جاءوا ليشاركونا الإصغاء إلى وجع السودان وأمله.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحا أن هذا الحفل ليس للمتعة وحدها، بل هو فعل ثقافي واعى، ومبادرة جادة من فنانين قرروا أن ينحازوا علنا لوقف الحرب وإحلال السلام، وأن يقولوا كلمتهم من على خشبة المسرح، حيث لا مجاملة ولا حياد حين يتعلق الأمر بالدم والخراب.

جانب من الحفل

ابتدر الحفل الفنان ود أبو، في وصلة غنائية مثلت السودان بكل تنوعه الثقافي والوجداني. غنى بصدق، فبدت الأغنيات وكأنها خارطة صوتية تمتد من أقصى الشمال إلى عمق الغرب، ومن ضفاف النيل إلى تخوم السافنا. كان أداؤه دافئاً ومباشراً، وتجاوب الجمهور معه بشكل لافت، مردداً بعض المقاطع، ومصفقاً بحرارة، في مشهد أكد أن الأغنية حين تكون صادقة تصل بلا استئذان.

بعدها، جاء الدور على الشاعر الكبير أزهري محمد علي، فكان حضوره حدثاً داخل الحدث. ما إن تم تقديمه حتى اشتعلت الأكف تصفيقاً، وكأن القاعة كانت تنتظر هذه اللحظة تحديداً. أزهري لم يقرأ كعادته، بل بدا وكأنه يقرأ لأول مرة؛ سكب في أسماع الحضور ألواناً من الإبداع المتفرّد، وشعراً رصيناً مشبعاً بالمعرفة والوجدان. قصائده جاءت محملة بالأسئلة، مشتبكة مع الراهن، منحازة للناس البسطاء، ومتماهية مع روح ثورة ديسمبر. ومع كل مقطع، كانت القاعة تهتز بالهتاف، مستحضرة شعارات الثورة، في مشهد أقرب إلى تظاهرة شعرية حقيقية، أعادت تعريف العلاقة بين الكلمة والجمهور.

جانب من الحفل

ثم اعتلى المسرح الفنان صاحب الصوت الشجي، أبوبكر سيد أحمد. تحدث أولاً بكلمات قصيرة لكنها عميقة، عبّر فيها عن إيمانه بدور الفن في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ السودان، قبل أن يصدح بالغناء. استهل وصلته بأغنية الشاعر القدّال، (مين زينا)، فجاء المطلع محمّلاً بالحنين والاعتزاز، وردده الجمهور معه بحماس واضح. قدّم أبوبكر باقة من الأغنيات الجميلة، أداها بإحساس عالى، وصوت مشبع بالشجن، فكان التفاعل كبيراً، والتصفيق مستمراً، وكأن الجمهور وجد في صوته بعض العزاء وبعض القوة.

وأُتيحت بعد ذلك الفرصة للممثل محمد تروس، الذي اختار أن يتحدث لا أن يغني. تناول تروس دور التمثيل في عكس واقع الناس، وقدرته على إحداث تغيير حقيقي، إذا ما انحاز للفكرة وللقضايا العادلة. تحدث عن المسرح والدراما كأدوات وعي، وعن مسؤولية الفنان تجاه مجتمعه، مؤكداً أن الفن ليس ترفاً، بل ضرورة في أزمنة الانكسار. كلماته جاءت واضحة ومباشرة، ووجدت صدى طيباً لدى الحضور.

وكان الجامع المشترك في مداخلات كل من سبقوه، التأكيد على أن هذا الحفل من أجل السلام، وأنه جزء من مبادرة فنية تضم عدداً من الفنانين المنادين بإيقاف الحرب، وفتح الطريق أمام حل سلمي يعيد للسودانيين حقهم في الحياة والأمان.

وفي فقرة لافتة، قدم عرض انتقادي حاد للمؤتمر الوطني، عكس حالة البذخ التي يعيشها رموزه في تركيا، بينما يدعمون الحرب ويعملون على قتل الناس، وهم في نعيم، سالمين وآمنين. جاء العرض جريئاً وصريحاً، بلا مواربة، فلاقى استحساناً واضحاً من الجمهور. كما وجه رسالة مباشرة لقوات الدعم السريع، دعاها إلى تغليب صوت السلام، ووقف دائرة العنف.

ثم جاء الختام، وكانت المسك، مع البرنسيسة نانسي عجاج. ما إن أمسكت بالمايكروفون حتى امتلأت القاعة بالعذوبة والطرب. نانسي، بحضورها الآسر وصوتها الدافئ، غنت فأشجت، وأمتعت الحضور بوصلة غنائية ماتعة. تجاوب الجمهور معها بشكل لافت، مردداً معها جميل الأغنيات، في حالة وجدانية عالية. استحضرت نانسي ذكريات أغنياتها المحبوبة، وقدمت أداءً أنيقاً ومشحوناً بالإحساس، ليكون ختام الحفل بمثابة وعد جديد بأن الفن لا يزال قادراً على جمع الناس، وعلى فتح كوة ضوء في هذا الليل الطويل.

هكذا انقضت ليلة (فلنغنّ للسلام)؛ ليلة قالت فيها نيروبي، بصوت سوداني خالص، إن الحرب ليست قدراً، وإن الأغنية والقصيدة والمسرح يمكن أن تكون أدوات مقاومة، ومواقف أخلاقية، ورسائل أمل. كان حفلاً غاية في الروعة، لكنه كان قبل ذلك، موقفاً واضحاً: مع السلام، وضد الحرب، ومنحازاً للحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com