الحركة الإسلامية… حين يمرّ الخراب في ثياب وَرَعٍ مُستعاره

الحركة الإسلامية… حين يمرّ الخراب في ثياب وَرَعٍ مُستعاره
م. معاوية ماجد
هناك لحظات في التاريخ تصبح فيها الحقيقة عارية، بلا مجازٍ ولا تأويل. لحظات لا تحتاج إلى شاعر ليشرحها ولا مفكر ليؤوّلها؛ يكفي أن تنظر حولك لترى الخراب يتدلى من أعمدة البيوت، ويجرجر ذيوله فوق المدن. وفي السودان، لا يحتاج المرء إلى كثير فطنة ليدرك أن حركةً ادّعت الإسلام جاءت كأنها لعنةٌ تمشي على قدمين، وجعلت من القيم التي تزعم التمسك بها جسرًا لوصولها، ثم مقصلةً تُنزلها على رقاب الناس.
أيُّ دولةٍ هذه التي يمشي فيها الاستبداد باسم الدين؟ وأيُّ حركة تلك التي تستعير من الإسلام ألفاظه ثم تخون روحه؟ بل أيُّ عقلٍ سقيمٍ ذاك الذي يرى في نصوص الرحمة سُلّمًا نحو البطش؟
يقول الأثر: “إن الله يجري يده على وجه العبد بعد الأربعين إن لم يتب فيقول أما آن لهذا الوجه أن يستحي؟”
ويُنسب إلى سيد الخلق قوله: “من بلغ الأربعين ولم يكن خيره أكثر من شره فليجهّز نفسه لجهنم.”
لو كانت الحركة الإسلامية — بقياداتها وأذرعها ومؤسساتها — تملك ذرة وعيٍ بهذه المعاني، لارتجفت وجوههم قبل أن ترتجف ضمائرهم، ولارتدّت إليهم أبصارهم حسيرة، ولعلموا أن أعوامهم الطويلة في الحكم لم تحصد خيرًا، بل جرفًا وتصحيرًا وتهشيمًا لإنسان هذا البلد. لكنّ الكارثة أنهم مرّوا على هذه النصوص مرّ الريح على الرمال؛ لم تلمسهم ولم يلمسوها. ظلت قيم الإسلام تمشي أمامهم كالماء، وهم عطاشى في صحراء الغلظة، لا يعرفون من الدين إلا الصوت المرتفع، ومن الشريعة إلا ما يخدم سلطتهم، ومن الأخلاق إلا الشعار الفارغ.
دخلت الحركة الإسلامية السودان مرتدية أثواب الوعظ، تتحدث عن الفضيلة، تلوك كلمات العفاف والعدالة، وتلوّح بالمصحف في اليد اليمنى، بينما تخفي في اليسرى مشروعًا لم يعرف الرحمة يومًا. كانت كمن يبتسم لك وفي عينيه نصل، وكمن يدعوك للصلاة ويغرز خنجره في ظهرك قبل “آمين”.
يا لها من مفارقة سودانية عجيبة: جماعة جاءت لتصنع “المجتمع المثالي المسلم” فإذا بها تزرع مجتمعًا مثخنًا بالكراهية، مشطورًا بالولاءات، مصلوبًا على جدار الفقر، يلهث الناس فيه وراء ما كان ينبغي أن يكون حقًا بديهيًا.
ولم يقف زيفهم عند حدود الخطابة؛ فقد صار خطابهم الديني أقرب للصفع منه للوعظ، للتهديد منه للهداية. سفهٌ لغوي في شكل فتاوى، وازدراء مكتوم يطل من وراء العبارات، وتعالٍ يُشعرك أنك لست مسلمًا بما يكفي حتى تتفق مع الحزب. هؤلاء ليسوا أبناء مدرسة الإسلام… هؤلاء أبناء مدرسة “الانتقاء”: يأخذون من النص ما يخدم مصلحتهم، ويتركون ما يفضح ضيق عقولهم. يتحدثون عن “الأمانة” وهم أول من خانها، وعن “الزهد” وهم أول من ازدرد الدنيا حتى كادت تبتلعهم، وعن “الإخلاص” وهو آخر ما يمكن أن يرد في سجلهم.
وما أصاب السودان لم يكن مجرد سوء إدارة، ولا ضعفًا في التخطيط، ولا حتى فسادًا عاديًا؛ بل كان تخريبًا ممنهجًا نابعًا من عقلية جماعة لا ترى الدولة إلا ساحة جباية، والمواطن إلا تابعًا، والخلاف إلا خيانة، والاختلاف إلا زندقة. لقد وطأت أقدامهم البلاد كما يطأ الجراد الحقول: تاركين وراءهم قشورًا من مؤسسات، هياكل بلا روح، وجوهًا أطفأتها الصدمات، وأوطانًا تحولت إلى جدران من الغبار.
وعلى مدى عقود، ظلوا يتعاملون مع السودان كما يتعامل المضارب مع بضاعة غير مملوكة: يبيع، ويقتطع، ويحتكر، ويرمي، ثم يطالب الناس بالصبر والتقوى وكأن التقوى لا تبدأ من رقابهم هم.
أين “قيم الإسلام” التي أقاموا الدنيا لأنهم ممثلوها؟ أين العدل؟ أين الرحمة؟ أين النقاء الذي بشروا به؟ أين الدولة التي زعموا أنها ستكون نموذجًا للعالمين؟ الإجابة واضحة: لم يتبقَّ إلا قشرة فارغة، وشعارٌ مثقوب، وذاكرة وطنٍ يحاول كل يوم أن يستعيد صوته وسط هذا الركام.
الحركة الإسلامية لم تبعد عن قيم الإسلام فقط… بل جعلت الناس يبتعدون عن تلك القيم بسبب الفجوة الهائلة بين القول والفعل، بين الخطب العالية والواقع المنخفض إلى قاعٍ لم نبلغه في تاريخنا.
إن السودان اليوم يقف فوق أطلالٍ لو أراد شاعر أن يرثيها لضاق به الكلام، ولو أراد مؤرخ أن يصفها لطاشت منه الصفحات. وهذه الأطلال ليست من صنع الزلازل ولا الجفاف، بل من صنع عقولٍ جاءت باسم الدين، فلم تُنصف الدين ولا الوطن.
وإذا كان من معنى لحديث الأربعين الذي بدأنا به، فهو أن هذه الحركة — بكل أعوامها، بكل تجاربها، بكل ادعاءاتها — قد بلغت سنًّا كان يجب أن تستحي عندها. ولكنها لم تستحِ، فخسرت نفسها وخسرت الناس، وخلّفت وراءها بلدًا يحاول أن يعيد بناء روحه من الرماد.
السودان سيبرأ، سيلتئم، سينهض. لكن تاريخ الحركة الإسلامية سيظل — مهما حاولوا تلميعه — صفحة سوداء، تقف شاهدًا على زمنٍ خان فيه من ادّعوا الهداية نور الهداية نفسها.
وما ينبغي قوله هنا — بلا تجميل ولا رتوش — هو أن الخراب الذي خلّفته هذه الجماعة ليس مجرد خطأ سياسي، بل فضيحة أخلاقية موثّقة، سقط فيها كل ادعاء وتعرّى فيها كل زيف. لقد تركوا الوطن مثل جثةٍ تُنْهَش، ثم وقفوا على رأسها يوزّعون المواعظ، وكأنهم لم يكونوا السكين التي قطّعت شرايينه.
هؤلاء الذين جعلوا من الدين سلّمًا للصعود، ثم تركوا الدين مرميًا أسفل الدرج، لا يملكون اليوم حتى شجاعة الاعتذار، لأن الاعتذار يحتاج إلى ضمير، والضمير آخر ما تبقّى في هذه الأرض بعد أن داسوه بأحذيتهم الغليظة.
جرحٌ مفتوح في ذاكرة السودان، جرحٌ لا يندمل لأنه لا يزال ينزف وقاحة. جماعة لم تعرف يومًا معنى الرأفة، ولم تذق طعم الإنسانية، ولم تستوعب أن البلد الذي دمروه كان أكبر من أحلامهم الصغيرة التي تشبههم. فليكتبوا ما يشاؤون من بيانات، وليُشيِّدوا ما يريدون من سرديات زائفة؛ فالتاريخ قد قال كلمته: إنهم الوجه الأكثر قبحًا ممن مرّ على هذه البلاد، والعار الذي سيقف طويلًا عند بوابة المستقبل يسأل: كيف سُمِح لهؤلاء أن يحكموا أصلًا؟
وإذا كان السودان سينهض — وسينهض — فإنه سينهض رغمهم، لا بهم. سينهض وهو يمسح آثارهم كما تُمسَح اللطخات العالقة على ثوبٍ أبيض. وستبقى قصتهم درسًا للأجيال: أن الخراب لا يأتي دائمًا على ظهر دبابة… أحيانًا يأتي متلفّعًا بعباءة التنظيم وابتسامة مُصطنعة، يرفع اللحية كشعارٍ للتقوى بينما يخبّئ خلفها مشروعًا لا يمتّ للنقاء بصلة.



