(الصيحة) تنشر نص خطاب حاكم إقليم دارفور عضو المجلس الرئاسي د. الهادي إدريس

من جراح الماضي إلى وعد الغد: دارفور تقود طريق السودان الجديد

أهلي الكرام،

المناضلون والمقاتلون البسلاء، الذين يبذلون بتفانِ النفسَ والمالَ والجهدَ من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ويتصدون بجسارة للعدوان الغادر المستمر منذ الخامس عشر من أبريل، ويضربون المثلَ في الوفاء للشعب والوطن،

الإدارات المدنية التي وُلدت وثبتت في قلب العاصفة، وقادتُها وموظفوها، الذين يعملون في ظروف عصيبة وبإمكانيات شحيحة ليقدّموا الخدمات للمواطنين في إقليم دارفور، ويثبتون أن الإرادة أقوى من رصاص العدو، فصاروا مشاعل تضحية وعطاء، ورمزاً للصمود في وجه آلة الموت ومحاولاتها القضاء على مظاهر الحياة.

شيوخُ القبائل وحكماء الإدارة الأهلية، حماةُ الإرث والتقاليد، ومستودع الحكمة في أوقات الشدة والخير،

شبابُ دارفور في المدن والقرى والمخيمات، شعلةُ الثورة ونبض التغيير وصنّاع الغد،

نساءُ دارفور العظيمات، صانعات الحياة وحارسات الأمل ورافعات راية المستقبل،

معلمونا وأطباؤنا ومهندسونا ومزارعونا ورعاتنا وعمالنا وتجارنا، سواعدُ البناء وعمادُ النهضة،

نازحونا ولاجئونا، الصابرون على قسوة التشريد والحرمان، الذين يحملون جراح الوطن في قلوبهم ولم ينكسروا أبداً،

طلابُ الجامعات وتلاميذ المدارس، عيونُ المستقبل وعقول دارفور وكتّاب فجرها الجديد،

شعراؤنا وحكاماتنا وفنانونا، حملةُ الكلمة واللحن واللون، الذين جعلوا من الثقافة صوتاً للسلام والنضال والحرية ووجهاً للكرامة،

أبناءُ وبنات هذا الإقليم العظيم من كل قبيلةٍ وثقافةٍ وديانةٍ ولونٍ وانتماءٍ،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخاطبكم اليوم في لحظة فارقة من تاريخ دارفور والسودان، لحظةُ تمثل فاصلاً حقيقياً بين ماضٍ مظلمٍ، قام على التهميش والإقصاء والحروب، ومستقبلٍ جديدٍ، نضعُ فيه أسسَ الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والسلام.

أخاطبكم في هذا اليومُ العظيم من تاريخِ إقليمنا بكل فخر واعتزاز، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، راجياً أن تدخل كلماتي والرسائل التي تحملها قلوبَكم وعقولَكم.

أنتم الذين صنعتم هذه اللحظة التاريخية بوعيكم وصبركم وتضحياتكم الجليلة.

اليوم، ونحن نحتفل بتشكيل حكومة إقليم دارفور، فإننا لا نحتفي بحدثٍ سياسي أو تشكيل إداري وحسب، وإنما نحتفي بولادةِ عهدٍ جديد يقوم على قيم ومبادئ سياسية ودستورية واضحة وراسخة، عهدٌ يعلو فيه صوتُ المواطن المقهور فوق كلِ صوت، وتسودُ فيه مبادئُ الحرية والتعايش والإخاء، ونعملُ فيه بجهد وقوة لننهي فيه إلى الأبد أسباب الحروب التي أرهقت ودمرت دارفور والسودان.

أبناء وبنات دارفور الأوفياء،

إن أزمتنا الوطنية لم تبدأ في الخامس عشر من أبريل في العام 2023، بل هي تراكمُ عقودٍ طويلة من حكم مركزي ظالم، ساد كل الحقب السياسية في السودان القديم؛ حكمٌ جعل السلطة والثروة حكراً على نخبة صغيرة في المركز، وأقصى الأقاليم كلها من المشاركة العادلة في السلطة والتوزيع المنصف للثروة.

إن السودان القديم سودانٌ قائمٌ على الإقصاء والتهميش والعنف، فكانت النتيجةُ حروباً متكررة، مدمرة، وصراعاتٌ داخلية، وتفتتاً اجتماعياً، وفقراً ودماراً شاملاً.

في تاريخِنا الطويل، المجيد، لم تكن أرضُنا—أرضُ دارفور—يوماً هامشاً من حيث الإسهام في البناء والنهضة، بل كانت دوماً أرضُ سلطنات عريقة وموطناً للحضارة والثقافة والتجارة، ومركزاً للإنتاج والتنوع والتعايش. لكن سياسات المركز الظالمة حولتها إلى ساحةِ صراعات قبلية مفتعلة، وحرمتها من نصيبها العادل من السلطة والثروة، فانتشر الفقر، وتعمق الحرمان، وعاش أبناؤنا في معسكرات النزوح واللجوء، بينما تُنهب مواردنا لصالح نخب سياسية وعسكرية واقتصادية غير مسؤولة وعديمة الرحمة والرؤية.

الأخوة والأخوات الكرام،

لقد انفجرت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 كاشفةً، مرة أخرى، حقيقة السودان القديم، وهي إنه لا يمكن أن يبقى أو يستمر إلا بالعنف أو الحرب. لم تكن هذه الحرب، وهي أمتداد لحروب الدولة السودانية غير العادلة، حربَ الشعب السوداني، بل كانت حرب الحركة الإسلامية والنخب العسكرية التي أطاح بها الشعب بثورته العظيمة في ديسمبر، فسعت لإعادة إنتاج السودان القديم بكل أدواته القمعية.

دمّرت الحرب الخرطوم وأحرقت مدناً وقرى في كردفان ودارفور والجزيرة وسنار، وشردت الملايين، وأدخلت البلاد في دوامة جديدة من الدماء والمعاناة. لكنها كذلك أسقطت آخر أقنعة النظام القديم، وأكدت أنه لا يحمل لهذا الشعب سوى الموت والخراب، ولا يعرف للأسف سوى لغة الدم والنار.

من رحم هذه المأساةُ وُلدت في نيروبي فكرة حكومة السلام. حكومة لا تعيد إنتاج الماضي، ولا تستسلم لهيمنة العسكر والإسلاميين، بل تضع الشعوب في قلب القرار، وتنطلق من تضحيات المناضلين، وآلام وصبر النازحين، ومعاناة المزارعين والرعاة، وتطلعات الشباب المثابرين.

إن ما تحقق في نيروبي إنجازٌ تاريخي غير مسبوق في تاريخ السودان. لقد اتفقنا هناك على وثيقتين عظيمتين: ميثاقُ السودان التأسيسي والدستورُ الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025. هاتان الوثيقتان ليستا مجرد نصوص، بل هما بمثابة عقد اجتماعي جديد بين السودانيين. عالجنا فيهما جذور الحرب التاريخية، ووضعنا أسساً لمستقبل جديد. حسمنا فيهما علاقة الدين بالدولة، وأقررنا أن الدولة السودانية الجديدة ستكون دولة ديمقراطية، تحترم التنوع وتحمي الحريات والحقوق. رسمنا فيهما ملامح جيش وطني جديد، جيش لا يرفع سلاحه على شعوبه كما في السودان القديم، بل يحمي الأرض والإنسان والمال دون أن يتدخل في السياسة.

اتفقنا على حل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني ومليشياتهما، وأقررنا مبادئ فوق دستورية لا يجوز تجاوزها في المستقبل.

إن ما ورد في هاتين الوثيقتين يمثل رؤيتنا للمستقبل. هذه الرؤية هي البوصلة التي ستوجه خطواتنا، وهي الأساس الذي سنتفاوض على ضوئه مع كل القوى السياسية والاجتماعية. هذه الرؤية هي التي تحدد مدى قربنا أو بعدنا من أي مبادرة أو مشروع للحل الشامل.

شعبُ دارفور الصامد،

إن حكومتكم الإقليمية التي ولدت اليوم من ميثاق السودان التأسيسي والدستور الانتقالي رسالتها لكل السودانيين وللعالم واضحة وبسيطة: وهي أنه لن يُحكم هذا الإقليم من بورتسودان أو الخرطوم، ولن تقبل دارفور ولا شعبها أن تُفرض عليهم سلطة العسكر أو الإسلاميين مرة أخرى.

هذه الحكومة هي ثمرةُ نضال طويل ومشترك، وهي مسؤولية في أعناقنا جميعاً. لقد جاءت لتؤسس لسلام دائم لا يُختزل في كلمات جوفاء، بل يُترجم إلى واقع ملموس. حكومة تفتح أبواب التنمية، وتضع حداً لمعاناة اللاجئين والنازحين، وتعيد إليهم حقوقهم وكرامتهم، وتبني وطناً يجد فيه كل فرد مكانه وتحفظ فيه لكل إنسان قيمته.

إن السلام الذي ننشده ليس شعاراً للاستهلاك، بل هو مشروعُ حياة كاملة. إنه سلامٌ يعيد النازحين إلى قراهم مطمئنين؛ سلامٌ يوقف نزيف الدم؛ سلامٌ يحوّل السلاح من أداة قتل إلى وسيلة لحماية المواطن؛ سلامٌ يوحّد الصفوف، وينهي القبلية والجهوية، ويعيد اللحمة الوطنية؛ سلامٌ يجعل من دارفور قلب السودان الجديد ونموذجه الذي يقتدي به الجميع.

الأهل الكرام،

إننا ندركُ حجم التحديات الأمنية التي تواجه إقليمنا، وهي انعدام الأمن في بعض المناطق، والاستهداف المتكرر من جيش الإسلاميين للمدن والسلام الاجتماعي، وحرمان بعض المزارعين من أرضهم، والمعاناة التي يواجهها بعضُ الرعاة في مناطقهم. لذلك فإن أولوياتنا واضحة وصارمة: وهي تكوين قوات أمنية خاصة ومؤسسات عدلية فعالة لحماية المدنيين، ومواجهة المتفلتين، وفرض سيادة القانون وإنهاء الفوضى.

لقد عانى مجتمعنا الدارفوري كثيراً من الانقسامات المتعمدة التي زرعتها السلطات المركزية، ومن الانقسامات القبلية التي غذّتها الأجهزة الأمنية لتبقى دارفور ضعيفة وممزقة. لقد آن الأوان أن نطوي صفحة هذه الانقسامات ونشق طريقاً جديداً نحو المستقبل، أبرز معالمه الوحدة والتسامح والسلام الاجتماعي والتكاتف.

لم يعد مقبولاً أن يُستدرج المزارعون والرعاة إلى حروب عبثية، أو أن يُستغلّ التحريض القبلي لإشعال الفتن.

إن الحربَ التي تدور في الفاشر اليوم لم يكن لها أي داعٍ. إن التفاوض بين أبناء دارفور ممكن وأسهل من حمل السلاح لصالح النخب العسكرية والإسلاميين الذين دمّروا دارفور. إن من اختار أن يكون وكيلاً لتلك النخب لا يمثل دارفور ولا يعبِّر عن شعبها، لأن دارفور أكبر من أن تُختزل في خيارات أفراد أو تنظيمات اختارت الانتهازية السياسية، بدلاً عن الانحياز إلى المصالح العليا لشعب وإقليم دارفور، وعلى رأسها السلام والتعايش السلمي بين جميع المكونات الاجتماعية.

إن دارفور من اليوم فصاعداً ليست زرقة وعرب، وليست عربية وغير عربية، بل هي شعبٌ واحد، بمصير واحد مشترك. مصير شمالها هو مصير جنوبها، ومصير وسطها هو مصير شرقها وغربها. إننا شعبٌ واحد هو شعب دارفور، وبوحدتنا وإرادتنا المشتركة سننهض من جديد، وسنعمل مع بقية أقاليم السودان لبناء سلام شامل، وديمقراطية راسخة، ووحدة وطنية عادلة.

الإخوة والأخوات الكرام،

بعد أن يتحقق السلام ويستتب الأمن، سوف يبدأ البناء. إعادة الإعمار ليست مجرد حجارة تُرص ولا طرق تُعبد، بل هي قبل كل شيء بناء الإنسان. سنعيد بناء المدارس حتى ينال أطفالنا حقهم في التعليم، وسنقيم المستشفيات، ونوفر الدواء والرعاية لكل مريض، وسنؤهل القرى والبنى التحتية، حتى تعود الحياة إلى طبيعتها. سنعيد للمزارع والراعي كرامته، وسندعم القطاع الرعوي والزراعي ليعود كما كان مصدراً للثروة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. سننشئ صندوقاً سيادياً لإدارة موارد الإقليم بشفافية تامة، من ذهب وصمغ عربي ومنتوجات زراعية وثروة حيوانية، لتعود خيرات دارفور لأبنائها، لا لجيوب قلة متسلطة.

الأهل والأحباب،

إن تشكيل حكومة دارفور ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل هو حدث وطني له ما بعده. هو رسالة بأن عهد التهميش قد انتهى، وأن عهداً جديداً من العدالة والحرية قد بدأ. إن دارفور، بما عانته وصمدت فيه، تقدم اليوم درساً ونموذجاً لبقية الأقاليم، وتعلن أنها ستكون شريكاً أصيلاً في بناء سودان جديد، قائم على الديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

كما أن دارفور تمد يدها إلى جوارها الإقليمي وإلى المجتمع الدولي. إن استقرار دارفور ليس مصلحة لأهلها وحدهم، بل هو مصلحة للمنطقة كلها. إن سلام دارفور هو مفتاح استقرار تشاد وجنوب السودان وليبيا ومصر وأفريقيا الوسطى، وهو إسهام مباشر في أمن الإقليم، وفي تعزيز التعاون الإنساني والاقتصادي عبر الحدود.

الإخوة والأخوات الأعزاء،

إن تشكيل هذه الحكومة هو إعلان لبداية مرحلة جديدة في تاريخ دارفور والسودان. مرحلة نطوي فيها جراح الماضي، ونبني فيها مستقبلاً مختلفاً، يقوم على الحرية والمساواة والعدالة والتنمية. هذه هي حكومة السلام، حكومة إقليم دارفور في السودان الجديد. لن تكون حكومة شعارات فارغة ولا حكومة وعود جوفاء، بل حكومة عمل وبناء، حكومة تعمل من أجلكم: من أجل المزارع والراعي، من أجل الطالب والنازح، من أجل كل مواطن يحلم بغدٍ أفضل.

دارفور لن تكون بعد اليوم ساحة دماء، بل ستكون أرض أمل وحياة، والحصن الحصين للسودان الجديد.

المجدُ للشهداء، والشفاءُ للجرحى، والنصرُ للمقاومين والمناضلين، والمجد لشعب دارفور وجميع الشعوب السودانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com