منى أبو زيد تكتب: عند حافة بئر..!

هناك فرق

منى أبو زيد

عند حافة بئر..!

“أسرع وسائل الانتشار في العالم هي التلفزيون والإنترنت والتلفون والمرأة”.. أنيس منصور..!

 (1)

مظاهر انتصار العولمة على الثقافات المحلية لم تقتصر على التكامل الاقتصادي وانتشار التكنولوجيا، ولم تحكم وثاق الهوية الثقافية فحسب، بل طالت الأمزجة والأهواء الشخصية، وتحكّمت معاييرها الكلية في النظرة المحلية لمفهوم الجمال، كما طالت العولمة الخطوط الحمراء للعلاقات الثنائية الواقفة على أعتاب الزواج..! 

مقاييس الجمال التي تختلف من زمن إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، أصبحت رهينة لصورة عارضة الأزياء شديدة الهزال، شديدة البياض، حتى أصبح امتلاء الجسد وسمار البشرة من موجبات الشعور بعقدة النقص في عقر دار الملامح الأفريقية، فأصبحت بلاد القارة السمراء – ومن بينها السودان – هي أكبر مستهلك لمستحضرات تبييض البشرة..! 

حتى باتت الفتاة التي لا تستخدم مستحضرًا لتبييض البشرة في مجتمعنا المحلي هي الاستثناء الشاذ الذي يُؤكِّد القاعدة الراسخة، النساء يقلن إن الرجال هم السبب، فبياض لون البشرة وحُسن الحضارة المجلوب بتطرية المكياج.. بات – اليوم – أهم مقاييس الجمال عند الرجل السوداني، ووجدتْ حواء السودانية نفسها مُضطرةً للإذعان لشروط الرجل، خاطبًا كان أم زوجًا لا يعوزه التأمُّل في ملامح الأخريات..! 

(2)

في قصص القرآن الكريم، استقى موسى عليه السلام لبنات شعيب من البئر ثم ذهب إلى الظل ليستريح داعيًا ربه – على استحياء – أن تكون إحداهما من نصيبه، قال (رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقيرٌ)، وهناك على الجانب الآخر في بيت شعيب (قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمينُ)، وهكذا فهم وليُّ الأمر مراد ابنته، فبادر بخطبتها إليه (قالَ إِنِّي أُريدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ)، وافق موسى عليه السلام، وانعقدت الخطبة، ثم اكتملت مراسم المصاهرة، كانت تلك حكاية خطوبة، بدأت بلقاء رجل وامرأة مصادفة عند حافة بئر ماء..! 

إذاً لا ضير ولا حرج في تأطير البوادر العاطفية برباط شرعي يمهد للزواج، وهو رباط مذكور في القرآن – كما في خطبة سيدنا موسى – ومذكور في السُّنة التي بيّنت أحكامه وخطوطه الحمراء، كما وأنه رباط اجتماعي منصوص عليه في قانون الأحوال الشخصية، ولكن!، هنالك تحولات جوهرية مُقلقة طرأت على تفاصيل علاقات الخطوبة في المجتمع السوداني خلال السنوات الأخيرة، إذ وبعد أن كانت الخطوبة لا تتعدى – في الغالب الأعم – أن يحجز أحدهم مقعده في صالون المصاهرة، أو أن يضع (طاقيته) خوفًا من أن يطمع غيره في من اختارها رفيقة عمر..!

صارت الخطوبة اليوم علاقة حميمة بين رجل وامرأة تخوّل خروجهما معًا، وبقاءهما معًا لأطول الأوقات، وتحت مختلف السقوف، باتت الخطوبة اليوم حالة استشراف مُتعجِّل، ووقوف مُتسرِّع على تخوم الزواج، وتحت سمع وبصر الأهل، ومع سبق إصرار الفتيات وترصُّد الشباب، في تجاوزات تذعن لأوامر القلوب وتتجاهل أحكام العقل حيناً، ومحاذير الشارع أحيانًا، فانفتح باب الخلوة – غير الشرعية – على مصراعيه، ليدخل منه الشيطان، فيخرج منه الخاطب في معظم الأحيان..! 

(3)

المُلاحظ أنّ نتيجة التعلق بأذيال العولمة والتسربل بأزياء الحضارة – في كلا الحالين – هو تفاقُم حالات الفسخ والفشل، رغم مشاريع البياض، وأطنان البودرة والأحمر.. فهل من مُذَّكر..؟!

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى