بستان الحلنقي

 

(1)

علمت منه أن زوجته تصرّعليه أن يعمل على إرسال والده الهَرِم إلى إحدى مصحات دور العجزة والمسنين وإلا فإنها ستغادر منزله غير آسفة، كان يعلم تماماً أن قيامه بفعل كهذا سيذهب به إلى الجحيم حيث أنه يعد تعدياً سافراً على حقوق الوالدين، بعد أيام علمت أنه حمل والده الهَرِم ليضعه بيديه داخل مطحنة من الأنين حاول أن يمد لي يده مسالماً في حفل جمع بيننا قلت له: يدي سأقطعها إذا فكرت يوماً أن تسلِّم على شخص مثلك باع أعز إنسان لديه من أجل لحظة دفء دفعت به إلى جحيم العقوق.

(2)

يعتبر العازف المعروف عبد الله عربي أحد عباقرة العزف على آلة «الكمان» كما يعتبره معظم الفنانين السودانيين الأب الروحي لكل من احتضن «كماناً »، والمعروف أن طريقة العزف التي يتعامل بها هذا المبدع مع «كمانه» تحمل من الرقة والشفافية ما يجعلك تحس بأنك تتمشى بين حدائق التاكا في يوم مشرق أكد لي أحد الموسيقيين أن عبقريته في العزف يفترض أن تدرس في أعظم الكليات المتخصصة في علم الموسيقى الذي يؤلمني أننا تعودنا دائماً أن نتعامل مع العباقرة من أبناء شعبنا بتجاهل تام ثم نعود لنبكي عليهم عند لحظة السفر.

(3)

أطلت عليه بعد غياب مستحيل لم يكن يتوقع أن يراها مرة أخرى، لم يكن يتخيَّل أن الأيام الخريفية العيون سيرجع إليها بريقها بعد أن تمت محاصرتها بحوائط من المبكى من كل اتجاه، أطلت عليه ليبدأ الجرح بتسلم أنفاسه من جديد ليرمى بها إلى ساقية من الحزن لا يهدأ لها صوت ولا تنام لها عين أطلت عليه بعد أن تركته زماناً ينام على سكاكين من الأسى ويصحو على أنفاس لها طعم الرماد.

(4)

حكى لي الأخ مبارك البلال، رئيس تحرير جريدة “الدار” أن عبد العظيم «الدش» حارس مرمى المريخ الراحل والذي كان سبباً أساسياً في حصول المريخ على عدة بطولات كروية متواصلة، قال: إن «الدش» رحمه الله، كان من هواة كتابة القصيدة الشعرية وكان يصر عليه دائماً أن يحمل واحدة من قصائده للشاعر مصطفى سند ليحكم عليها، وأضاف تأمل «سند» أبيات القصيدة بعد أن سلمتها له ثم وضع عليها ملاحظة يقول فيها: إن على «الدش» أن يعمل على تجويد حراسته لمرمى المريخ وأن يضع صفراً كبيراً على حراسته لمرمى الشعر.

(5)

حين توجه أحد الصحافيين بسؤال للدكتور مصطفى محمود، عن أجمل مشهد انبهرت به عيناه، قال: كان ذلك أثناء زيارة قمت بها إلى جنوب السودان، وأفاد أنه كان يجلس في فناء المنزل وفجأة وجد نفسه محاطاً بالآلاف من اليرقات المضيئة مما جعله يحس أن أجنحة من النجوم الصغيرة تتناثر على كتفيه فيضئ بها الليل، وأكد أنه شعر أنها رسالة إلهية بعثت إليه لتأكد له ولمن حوله من الكائنات أن «الله جميل يحب الجمال».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى