محمد طلب يكتب: Father in Law

عفواً لهذا العنوان بلغة الفرنجة لكن الضرورة تملي ذلك، وارتباط العنوان بالنص يجعله من الأهمية بمكان يضفي ألقاً وينفخ روحاً في النص.

رحل عن هذه الفانية في العشر الأواخر من الشهر الكريم (الوالد) مولانا محمد عبد الرحيم صباحي قاضي المحكمة العليا الشهير بالسودان سابقاً ومستشار وزارة العدل بدولة الإمارات لأكثر من عقدين ونصف من الزمان.. نسأل الله له الرحمة والمغفرة والقبول.

عنواني هذا هو بداية علاقتي القريبة من (مولانا صباحي) رحمه الله.

قبل هذه العلاقة تربطنا علاقة الرحم ولجوار بأسرتهم.

كانت شجرة النيم العتيقة في بيت (أبوي الشيخ) تشهد جلسات أنس أيام الجمع والإجازات، تجمع بين مولانا الخال عمر الشيخ سيد أحمد والمرحوم Father in Law (مولانا صباحي) وآخرون فقد جمعتهم زمالة الهيئة  القضائية وصداقة المهنة بالإضافة للعلاقات الأخرى…

كان ذلك في ثمانينات القرن الماضي أيام محاكمات (سدنة مايو الشهيرة) التي جمعت مولانا صباحي على كرسي القضاء والأستاذ محمود  أبكم ممثل الاتهام والأستاذ شدو وسبدرات ممثلي الدفاع عن المتهم بهاء الدين أحمد إدريس.. وهذه حكاية أعود لها في مقال منفصل فقد كانت (محاكمة مدرسة).

كنت اتهيب تلك الجلسات وأنا ما زلت يافعاً وتفاصيل وجه مولانا صباحي وهدوءه وحديثه المتزن يعطي المكان هيبة تجعلني اجتهد في خدماتهم واسترق السمع لما أجده من فوائد عديدة.. كانت لي عوناً في مستقبل أيامي.

كان وقتها له بنتان صغيرتان تطرقان على باب منزلنا للسؤال عن والدهما… كنت دائماً من يفتح لهما الباب فتنزوي الكبرى خلف الصغرى في خجل شديد لم أكن أتوقع أنها سوف تكون زوجتي التي جعلت مولانا صباحي Father in Law بالنسبة لي.

بعد زواجي من السيدة هدى محمد عبد الرحيم صباحي كانت هذه الجملة Father in Law  هي عنوان أول لقاء لي به بعد زواجي من ابنته، زارنا في إمارة عجمان بالإمارات وفي بداية حديثه بعد السلام والسؤال عن الحال والأحوال قال لي (الخواجات بيقولوا هذه الجملة Father in law لزوج البنت فاعتبرني أباً ثانٍ لك فوالدك زاملنا بحنتوب الثانوية وأعرفه جيداً)… ثم أوصاني بعين دامعة على ابنته… وبكى بشدة وهو يودعها.

لم تعجبني الجملة في البداية وربما استهجنتها سراً لاكتشف لاحقاً أنني أمام أعظم Father in law، وأنه صهر نادر وفريد وبعيد كل البعد عن حياتنا الشخصية وفي ذات الوقت قريب منها جداً يتحسس علامات الرضا والقبول أو (الزعل) وعدم الرضا في عيني ابنته… مارس معي هذه الأبوة بشكل مذهل وذكاء فطري وعاطفة عالية المستوى وعقلانية راقية… فهو من القلة التي تمارس ما تقوله وتنتمي لأقوالها بالفعل والممارسة.

وكنت أقرب للابن الحقيقي له… ظل يكرِّر زياراته لنا في عجمان والشارقة وبني ياس ومدينة العين آخر محطة لي بالإمارات وكان للأبوة عنده معانٍ بعيدة عمّا تخيلته… يحب أحفاده ويلاعبهم ويسعد لرؤيتهم ويغدق عليهم بالهدايا ويقطع مئات الكيلو مترات كي يوطد ارتباطهم به… أولادي عندما يتحدثون عنه يقولون (أبوي) فقد قلّدوا في ذلك والدتهم منذ نعومة أظافرهم بينما ينادونني (بابا) التي لا أحبها وكانت (أبوي) كاملة الدسم من نصيب النسيب الحسيب مولانا صباحي…

حاولت كتابة كلمات رثاء في (سيد محمد) لكن كل ما كتبته لم يعجبني ووجدته دون المقام لذا سوف أسرد سلسلة من الحكايات والمواقف التي لا يعرفها الكثيرون والتي تبين عظمة الفقد والفقيد… رجل عجيب… يزدان عنده ما نعتبره من المتناقضات ويتوازن حسب المواقف وميزان العدالة… ويجمع بينها في تناسق عجيب فهو الجاد جداً الساخر في ذات الوقت والمتصوف الاشتراكي.. الهادئ والثائر بطريقته… الفقير والغني… العاطفي للغاية والعقلاني لدرجة تحسبه بلا عاطفة… سامي المقام المتواضع بدرجة غريبة.. تحسبه من العامة فتجده من صفوة الصفوة.

رحم الله مولانا محمد عبد الرحيم صباحي سأظل كما أوصيتني في اليوم الأول ولم تزد وسيظل أحفادك أوفياء أتقياء أنقياء أذكياء كما تمنيت لهم.. رحمك الله رحمة واسعة.

نواصل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى