من البيروقراطية إلى السِّياسة.. حمدوك.. الرجل الغامض!!

تقرير: نجدة بشارة

توافق عليه جميع الثوار (الديسمبريون) ومعظم الشعب السوداني، وامنوا بقدراته اقتصادياً وسياسياً ليقود بها دفة الفترة الانتقالية إلى بر الأمان.

د. عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء لحكومتي الفترة الانتقالية ، وافق ميلاده ذات العام والشهر الذي نال فيه السودان الاستقلال، يناير 1956م، تنحدر اسرته من ولاية جنوب كردفان ذات الطبيعة البكر والأرض التي اعطت كل السودان من خيراتها وإنتاجها الزراعي، نشأ وترعرع حمدوك وقادته الأقدار ليدرس الاقتصاد الزراعي بجامعة الخرطوم، ثم تمدد طموحه وحصل لاحقاً على ماجستير من جامعة مانشستر في بريطانيا، ولم يتوقف طموح الفتى الأسمر على الدراسة في بلاد الغرب، ولكن التحق بسلك العمل والمناصب حتى تقلد منصب الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة.

ولاحقاً, عملَ كخبيرٍ اقتصادي وخبيرٍ في مجال إصلاح القطاع العام، والحوكمة، والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.

ولعل حمدوك شارك في الماضي بمبادرات سلام أفريقية للتوسط في نزاعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، كما عمل لصالح البنك الأفريقي للتنمية، وهو معروفٌ بوضع سياسات تحفز النمو الاقتصادي بإثيوبيا في ظل حكومة ملس زيناوي.

تأييد ولكن!

ثم عاد حمدوك الى الخرطوم في أغسطس 2019، بعد ما يقارب الأشهر الأربعة من سقوط نظام الإنقاذ قادماً من أديس أبابا، بعد ثورة لم يشارك فيها على الأرض، لكنه تبنى أهدافها.

تسلّم حكومة مكلفة بإقامة مؤسسات ديمقراطية بالبلاد، في ذات الشهر الذي وصل فيه البلاد. واقتراح رئيس الوزراء حل اقتصادي قادر على وقف التضخم المتسارع والفقر المزمن.

ولعل د. حمدوك كسب تأييد وود الشارع السوداني طيلة فترة ادارته لحكومة الفترة الانتقالية الأولى، حتى اصبح ملهماً للشارع فجاءت عبارة (شكراً حمدوك) على كل المواقف العظيمة التي تستدعي الامتنان، ثم ومع تزايد التوتر بين الجيش والمدنيين في الإدارة المشتركة خلال سبتمبر الماضي, قدم حمدوك خارطة طريق للخروج من الأزمة, وقال إنه ليس محايداً أو وسيطاً في النزاع, بل إن موقفه الواضح والثابت هو الانحياز الكامل للانتقال الديمقراطي المدني.

ولان الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن،  ولأن السياسة لعبة التقلبات والمتغيرات، زجت الاحداث بحمدوك عشية الخامس من أكتوبر في أتون المواجهة بين حاضنته السياسية، وبين المكون العسكري في الحكومة، وداخل إقامته الجبرية، التي فرضتها قرارات 25 اكتوبر، تصاعدت بورصة حمدوك الشعبية، وارتفعت الاصوات داخلياً وخارجياً، تُطالب بالإفراج عنه.

بينما يمضي الوقت، أعلن رئيس مجلس السيادة عن توقيع اعلان سياسي وعودة حمدوك رئيساً لمجلس وزراء للحكومة المدنية في نسختها الثانية عاد حمدوك من اقامته الجبرية رئيساً للوزراء وسط دهشة المُراقبين الذين كانوا يظنون أن الرجل سيرفض التكليف، خطوة حمدوك وجدت ردود فعل متباينة في الشارع السوداني بين مباركٍ لشراكته للمكون العسكري ومساندته لقرارات البرهان التصحيحية، وبين مستغرب ورافض لموقف حمدوك.. بينما يتساءل متابعون هل تغيرت مواقف حمدوك؟

بُطء اتخاذ القرارات

في المقابل, وصف محللون, التغيير في مواقف رئيس مجلس الوزراء من الموقف الداعم للثوار، حيث سبق وارتدى لباساً شعبياً ونزل إلى ميادين الثوار هاتفاً للثورة.

وبين موقف رجل الدولة، الذي تعاطى السياسة حد الابتعاد عن حاضنته، وحتى شلته السياسية، يرى المحلل السياسي د. الحاج محمد خير لـ(الصيحة) أن حمدوك لم يتغيّر في مواقفه السياسية، لكنه بطئٌ حسب قوله في اتخاذ القرارات السياسية. وأوضح بأن اختيار حمدوك ليكون رئيساً للوزراء جاء بصورة تلقائية من قبل الشارع الذي تلمّس نضاله في موقفه حيال الحكومة المعزولة عندما عرض عليه المعزول أن يكون وزيراً لمالية حكومته وجزء من تاريخها الأسود، إلا أن حمدوك رفض عرض النظام البائد، الشيء الذي رفع سقف نضاله لدى الشعب السوداني.

بين السياسة والبيروقراطية

ويسرد د. الحاج, حكاية حمدوك الذي أفنى زهرة شبابه داخل المكاتب الأممية يمارس البيروقراطية، وبعيداً عن السياسة ومنعرجاتها ومنعطفاتها، وأردف ولعل البيروقراطية في السلك الأممي أو الأمم المتحدة يتّصف معظم موظفيها بالبطء في اتخاذ القرارات من حيث تداخل الشراكات والمهام.

وضرب مثلاً بأن الأمين العام للأمم المتحدة دائماً ما يبدأ بإبداء قلقه تجاه الأحداث الساخنة في اي مكان. وبالتالي يرى أن حمدوك اعتاد على البطء والسلحفائية في اتّخاذ القرارات.

مسك العصا من النصف

ووصف د. الحاج حمدوك بأنه رجل دبلوماسي يميل الى (مسك العصا من النصف)، وهي سمة التردد ويشبه بذلك كل موظفي الأمم المتحدة ولا فرق بينه وبين فولكر، أو أي مدير منظمة أممية هنا في السودان.

فيما يرى أن أسوأ أنواع القادة هم القادة البيروقراطيون لجهة البطء الشديد في التنفيذ واتخاذ القرار, وضرب مثلاً باتفاق البرهان وحمدوك، والذي بيّن مدى بيروقراطية حمدوك, لجهة أن الاتفاق لم يحدد بجداول أو خارطة زمنية محددة. وشدد على أن حمدوك لم تتغيّر مواقفه لأنه مازال يعمل بذات المنهج والسياسات القديمة التي كان يتبعها في ظل الحكومة المحلولة.

ابتسامةٌ وغموضٌ

وصف الخبير وأستاذ العلوم الاجتماعي د. عبد الرحيم بلى في حديثه لـ(الصيحة), رئيس الوزراء حمدوك بالشخصية  الغامضة، وإنه يخفي غموضه خلف ابتسامته، وأردف بأن مواقفه غير واضحة، وأنه يرسم ابتسامة مع صمت في مواقف تتطلب الحديث، مثلاً عند لقاء الجمهور أو الشارع الثوري، وزاد: حتى إنه قليل المخاطبات الجماهيرية ولم يخاطب الجماهير الحاشدة وجهاً لوجه منذ أحداث الخامس والعشرين من أكتوبر إلا عبر الميديا. وقال إن حمدوك توافق مع البرهان رغم تأييده للشارع والثوار، وقال أعتقد أن شخصية حمدوك تفتقر الى القيادة الثورية.

إداري وليّن

في ذات الاتجاه, يرى المحلل السياسي د. عبد الرحمن أبو خريس في حديثه لـ(الصيحة) ان د. حمدوك شخصية إدارية تنفيذية بحتة ولم يمارس السياسية لا عبر النقابات ولا حتى النشاطات الطلابية، وأردف أنّ حمدوك وجد الفرصة من خلال  تأييد قوى الثورة، ولكن حمدوك ربما وجد أن القوى المدنية التي كان يستند عليها أصبحت تشكل عبئاً في طريق تنفيذ مهامه الانتقالية من خلال التشرذمات والانقسامات وسط هذه القوى والتي ظهرت بالمظهر الضعيف، وبالتالي ربما اختار حمدوك الاتفاق مع البرهان لتحقيق طموحه السياسي. وقال أبو خريس إنّ حمدوك من الشخصيات ليّنة الجانب ويمسك بالعصا من المنتصف ويسعى لخلق الإجماع الوطني.

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!