منى أبوزيد تكتب : في المَسافة الفاصِلة..!

“التَنمُّر هو الوجه الآخ للشعور بالعَار”.. الكاتبة..!

في سنوات إقامتي بالسعودية جمَعتني إحدى ولائم الجيران بسيدة خمسينية شديدة الأناقة، رائعة الجمال. كانت من أولئك الأشخاص الذين يُعزِّز الاستماع إلى حديثهم من قناعتي ببُطلان تلك العلاقة الطردية – التي يفتَرض مُعظم الناس وجودها – بين اكتمال نصاب الوعي وارتفاع مُستوى الحظ من التعليم..!

وبعد جولةٍ لا بأس بها حول معظم قضايا الراهن الاجتماعي والسياسي، حَدَّثتني عن إصابتها بمرضٍ نفسي، وعن بحثها الدؤوب على شبكة الإنترنت للتحقق من بعض الآثار الجانبية التي لازمَتها بعد تناول عقار طبي وصفه لها طبيبها النفسي. ثم، كيف أنها ستعاود زيارته لمناقشة الجرعة التي نصحها بها، على ضوء نتائج بحثها ذاك..!

لعلك قُلتَ الآن في نفسك “الآن جاء دور ردة فعل الكاتبة” بشأن هذه الحكاية، ولعلك قد خَمَّنت – أيضاً – كيف أن الشعور بالدهشة هو ردة الفعل الُمثلى التي لا بُدَّ أنها قد صدرت عني وقتها. لكن الحقيقة هي أنّني قد أومأتُ لها برأسي – يومها – ببساطة، وتمنيت لها التوفيق في مناقشة الجرعة مع الطبيب، وعاجل الشفاء من مرضها النفسي ذاك، قبل أن يجرفنا الحديث إلى حكاياتٍ أخرى..!

والسبب في ذلك هو أنني قد عشتُ وترعرعتُ في ذات المجتمع الذي تنتمي إليه تلك السيدة، والذي لا يُعتبر المرض النفسي فيه عيباً، ولا تُعتبر الإصابة به فيه مدعاةً لأي خَجلٍ يُذكر. فالسعوديون درجوا على التعامل بوعيٍ متجاوزٍ للسائد والنمطي – بل وبثقافةٍ نوعية – مع اكتشاف إصابة أحدهم بأيِّ مرض نفسي، شأنه في ذلك شأن أي مرض عضوي آخر..!

على العكس من السودان الذي لا تزال مُعظم فئات مجتمعه تخلط بين الإصابة بالمرض النفسي والإصابة بالمرض العقلي، وتعتبر شيوع خبر إصابة أحدهم بمرض نفسي وصمةً اجتماعية تؤثر على مكانته في العائلة والحي وبين أقرانه في العمل، وتستدعي الكثير من الحذر، بافتراض أن التعرُّض للأذى هو الأمر الأكثر توقعاً عند التعامل معه..!

والنتيجة تفاقم أعداد المرضى النفسيين الذين يخفون إصابتهم بالمرض أو ينكرونها من الأساس، وازدياد حالات المنتحرين الذين لم يُحظوا بالمساعدة اللازمة في مرحلة المسافة الزمنية الفاصلة بين الإصابة بالمرض والعمل على تنفيذ فكرة الانتحار..!

صحيفة “الصيحة” في عددها الصادر ليوم أمس، نشرت خبراً عن تفشي ظاهرة الانتحار بين مختلف الفئات العمرية في إحدى محليات ولاية شمال كردفان، ومن خلال الصحيفة ناشدت المحلية، السلطات المُختصة بالتحرُّك العاجل لتدارك هذا الأمر والبحث فيه من قبل مُختصين في علم النفس وعلم الاجتماع، لمعرفة الأسباب والدوافع، ومن ثَمّ اجتراح الحلول..!

الانتحار – في أغلب الأحيان – يكون آخر عتبة في سلم الاكتئاب، وهذا يعني أن تاريخ هذا البلد مع إهمال التوعية بشأن المرض النفسي يشهد اليوم منعطفاً كارثياً وخطيراً. وهو يعني أيضاً ضرورة أن تتبنى الجهات المسؤولة في هذه الحكومة مشروعاً قومياً للتوعية بأهمية الصحة النفسية، وشق سُبل التعايش مع المرض النفسي – الذي يُصيب النفس أو الغير – بالقدر اللازم من التثقيف الصحي.

وقبل ذلك كله، لا بد من القيام بمراجعات لوعي وسلوك هذا المجتمع الذي يُجرم في حق كل مريضٍ نفسي، إما بالتَخلِّي عنه أو بالتَنمُّر عليه..!

مُنى أبو زيد

munaabuzaid2@gmail.com

 

 

 

 

 

 

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا المحتوى لا يمكن نسخه !!