القاعدة الروسية بالسودان.. حساب الربح والخسارة

 

 

تقرير- صلاح مختار

أثار قرار تجميد الحكومة اتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية على البحر الأحمر، جدلا واسع النطاق بالداخل وطرحت فوق ذلك تساؤلات حول دوافع وأبعاد القرار. وعلى الرغم من أن القضية طفت على السطح بشكل مثير منذ بداية التوقيع عليها، إلا أن نارها خمدت ما بين قرار التجميد وإعلان روسيا أنها تلقت توضيحات من الخرطوم بشأن قاعدتها في السودان، غير أن القضية أعيدت إلى دائرة الضوء مرة ثانية, وأثارت نفس التساؤلات السابقة حول دوافع التجميد وهل تراجعت الحكومة أم أرادت مراجعة الاتفاقية وانتظار اكتمال مؤسسات الدولة التشريعية، وما هي حسابات الربح والخسارة في وجود الاتفاقية؟ السفارة الروسية في الخرطوم أعلنت أنها تلقت توضيحات السودان بصدد إعادته النظر في قرار إنشاء مركز إمداد لوجستي للبحرية الروسية على ساحله، وقال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في تصريحات لوكالة (إنترفاكس) الروسية، (لدينا ملحق عسكري وسفارة تعمل، لقد تلقوا توضيحات من الجانب السوداني), ولكن لم يوضح طبيعة تلك التوضيحات التي تلقتها من الخرطوم.

تقديم المصالح

اتفاقية القاعدة الروسية التي وقعت مع السودان في ديسمبر عام 2020، أشارت إلى إنشاء مركز لوجستي للبحرية الروسية في السودان، وحددت الاتفاقية أن (الحد الأقصى لعدد الأفراد العسكريين الروس في نقطة بحرية في السودان لن يتجاوز 300 شخص، وأنه يمكن وضع أربع سفن روسية كحد أقصى في الوقت ذاته داخل المركز). وكان رئيس الأركان محمد عثمان الحسين قال في مطلع يونيو، عن (نية السودان مراجعة الاتفاقات مع روسيا بشأن القاعدة البحرية). وأضاف: (منذ توقيع الاتفاقية في ظل النظام السابق، لم يصادق عليها المجلس التشريعي، حيث تتطلب إجراءات الموافقة على المعاهدات الدولية، وأن السودان لديه الفرصة لإجراء تعديلات وتغييرات مع مراعاة مصالح البلاد). وذكر بالقول: (لذلك نقوم بمراجعته لتحديد مصالح السودان في هذا الاتفاق وهذا ما نوقش في المفاوضات الأخيرة مع الجانب الروسي). موضحاً أن (الزيارة الأخيرة للوفد الروسي كانت عبارة عن محادثات لإعادة النظر في الاتفاقية لتحقق مصالح السودان). وأضاف: (ما دامت الاتفاقية لم تُعرض على المجلس التشريعي ولم يتم التصديق عليها فهي غير مُلزمة بالنسبة لنا).

حل وسط

سبق أن أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، أن السودان لم ينسحب من اتفاقه مع روسيا بشأن إقامة منشأة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر، بالقرب من ميناء السودان الرئيسي (بورتسودان). حسب ما شاع في ذلك الوقت, ونقلت وكالة (إنترفاكس) الروسية للأنباء عن بوغدانوف، قوله: (أعتقد أنه يمكن دائماً التوصل إلى حل وسط)، مؤكداً أن السودانيين (لم ينسحبوا من الاتفاق ولم يسحبوا توقيعهم.. لديهم بعض الأسئلة التي استجدّت). ولكن مصادر في الخرطوم أبلغت في وقت سابق الجانب الروسي بتعليق اتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية، التي وقّعتها مع النظام البائد، وبوقف أي انتشار عسكري روسي جديد في القاعدة البحرية الجديدة. وأكد مصدر عسكري أن الجيش أبلغ الروس بأن أي اتفاق على إنشاء قواعد عسكرية أجنبية في السودان لن يصبح نافذاً إلا بعد مصادقة المجلس التشريعي عليه، وبموجب ذلك، تقرر إيقاف أي اتفاقات بشأن القواعد العسكرية تمت في عهد الرئيس المعزول عمر البشير. وكان نحو 70 من أفراد البحرية الروسية، بينهم نحو 10 ضباط برتب رفيعة، وصلوا السودان، وأقاموا في قاعدة (فلامينغو) العسكرية بالبحر الاحمر، وبحوزتهم تعزيزات عسكرية، بما في ذلك منصات لإطلاق الصواريخ، وناقلات جنود، ورادارات.

مشاعر الأسف:

الجدل الذي يدور حول تجميد قرار إنشاء القاعدة الروسية في السودان، ارتبط بشكل أساسي بالتنافس الاستراتيجي بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، وفي ظل التطور الإيجابي بين الخرطوم وواشنطن، فإن القرار كان متوقعاً وبديهياً، وهذا ما جعل الجانب الروسي يشعر بنوع من الانزعاج من خلال ما كتبه رئيس مجموعة منطقة جنوب آسيا والمحيط الهندي بمركز دراسات آسيا والمحيط الهادئ، في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية أليكسي كوبريانوف، حول صعوبة أن تحرم أمريكا روسيا من فرصة إنشاء قاعدة بحرية في إفريقيا. على خلفية ما جرى في السودان, وجاء في مقال كوبريانوف: الخبر القصير الذي نقلته وكالة تاس عن “العربية”، والذي جاء فيه أن “السودان أعلن تعليق الاتفاق مع روسيا على إنشاء قاعدة بحرية”، احتل شريط الأخبار، وأثار موجة من مشاعر الأسف لعجز موسكو، في مواقع التواصل الاجتماعي الروسية. ولكن، بعد ساعة، تماماً، جاء تفنيد من السفارة الروسية في السودان للخبر. فقد اتضح أن ما قيل في الرسالة الأولية لـ (العربية) هو أن الاتفاقية يجب أن يوافق عليها برلمان البلاد، وقال هذا منطقي تماماً، لأنها لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد تصديق الطرفين عليها.

مفاضلة صعبة

ويقول كوبريانوف: تخيلوا أن لا تصادق السلطات السودانية على الاتفاقية، فماذا يعني هذا بالنسبة لروسيا؟ قبل كل شيء، ضرورة البحث عن قاعدة جديدة واستئناف المفاوضات بشأن استئجار موانئ إرتيرية وصومالية. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نعي أمرين: أولاً، تتمتع الولايات المتحدة بقدرات وموارد وافرة لتقدم لأي دولة في شرق إفريقيا عرضاً من المستحيل أو من الصعب للغاية رفضه: إزالة القاعدة العسكرية الروسية مقابل تدفق استثمارات ومساعدة بأسلحة ودعم سياسي؛ وثانياً، حتى القدرات والموارد الأمريكية محدودة. وسيتعين على واشنطن القيام بمفاضلة صعبة: هل غياب قاعدة بحرية روسية على ساحل السودان يستحق الأموال التي سوف تستثمرها الولايات المتحدة في اقتصاد أجنبي، بدلاً من الاستثمار في اقتصادها الخاص، وتلك الموارد التي ستطفو إلى إفريقيا البعيدة، بدلاً من تعزيز المواقع الأمريكية في المحيط الهادئ, المسرح الرئيس للمواجهة مع الصين؟ إن لم يكن السودان فإريتريا، وإن ليس إريتريا فالصومال؛ عاجلاً أم آجلاً (بل عاجلاً وليس آجلاً) ستقرر الحكومة الأمريكية أن اللعبة لا تستحق كل هذا العناء وأن من الأسهل السماح لروسيا بأن تكون لها قاعدة على الساحل الغربي للمحيط الهندي بدلاً من إطعام شرق إفريقيا بالكامل، على نفقة أمريكا.

الربح والخسارة

ويرى الباحث في الشؤون العسكرية اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، أن، (ملف المركز اللوجستي الروسي الواقع قرب ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، يعد من الملفات المعقدة، لأن اتفاق إنشائه أبرم مع النظام السابق، وجاء نتيجة ضغوط دولية حادة، نظراً لما يواجهه السودان آنذاك من عقوبات وحصار دوليين، واتهامات برعاية الإرهاب، ما جعله يبحث عن تعاون مع دول أخرى غير أميركا، ويرتضي بأي شروط توضع ومن ضمنها هذه الاتفاقية). ويقول مجذوب لـ(الإندبدنت عربية)، إن “السودان استفاد من هذه الاتفاقية بتزويده ببعض الأسلحة والأجهزة التقنية والمشاركات في التدريب البحري وخلافه، لكنه خسر السيادة الوطنية، حيث إن هناك بنوداً في هذه الاتفاقية تتعلق بالسيادة مثل عدم وجود ولاية قضائية للبلاد في هذه المنطقة، وعدم السماح بإنشاء أي قاعدة أخرى لأي دولة خلال فترة الـ25 عاماً، وهي فترة طويلة جداً لمثل هذه القواعد، فضلاً عن إتاحة الفرصة لدخول سفن ذات قدرات نووية وأجهزة استخبارات وتنصت وحرب إلكترونية، وكله دليل على أن القاعدة ستستخدم لأغراض هجومية وعسكرية، وليس فقط للإمداد والتموين كما ورد في ديباجة الاتفاقية”. واستبعد أن يؤثر تجميد هذه الاتفاقية في العلاقات السودانية – الروسية، لأن العلاقات الأخرى الاقتصادية والثقافية والزراعية والسياسية تسير بشكل يحفظ مصالح الدولتين، لكن هذه الاتفاقية تحديداً فيها إشكاليات وسلبيات على الجانب السوداني، ما جعلها موضع نقد، ورفض من الرأي العام الداخلي، والمطالبة بعرضها على الجهاز التشريعي لإجازتها.

تنافس دولي

وشدد مجذوب على أن الوجود الروسي وفقاً لهذه الاتفاقية، سيجعل السودان مسرحاً لتصفية الحسابات والتنازع مع الدول الأخرى في مقدمتها واشنطن وروسيا والصين وألمانيا وفرنسا، حيث إن كل هذه الدول لها مطامع في الساحل السوداني الممتد على البحر الأحمر. كما أن هناك ضغوطاً إقليمية من السعودية والدول الثمان المطلة على البحر الأحمر التي وقعت اتفاقية أمنية في الرياض عام 2020 لتأمينه وجعله بحيرة عربية. وزاد، “بلا شك أن منح السودان قواعد ومراكز لدول عظمى يعني أنه أتى بالنفوذ الأجنبي للبحر الأحمر، وفي الوقت ذاته لا ننسى أن هناك وجوداً غير مرحب به في جزر حنيش، وبعض الموانئ الإريترية، وفي اليمن، لذلك يواجه السودان ضغوطاً من الدول المطلة على البحر الأحمر بألا يسمح بوجود نفوذ أجنبي في تلك المناطق”. وتابع مجذوب، “حقيقة، هناك اعتراض من واشنطن على الاتفاقية الروسية، وهو اعتراض مقبول في ظل التنافس الدولي، بخاصة أن أميركا رفعت اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقدمت له أكثر من جزرة، ومنحته قرضاً تجسيرياً لتسديد ديونه، والآن تنسق مع السودان في مؤتمر باريس لدعمه اقتصادياً”، مبيناً أن كل هذه الأمور تعتبر عقوقاً لأميركا، حيث تريد واشنطن من السودان أن يمضي معها في علاقات متوازنة بعيداً عن أي تحالفات تضر بمصالحها، فضلاً عن أن واشنطن تعتبر السودان منطقة حيوية مثلها مثل الخليج العربي في الأمن القومي الأميركي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى