الحاضنة السياسية.. تصدُّعات وتوتُّرات وسيناريوهات متوقعة!

 تقرير: صلاح مختار

أسقطت الخلافات التي ضربت قوى الحرية والتغيير والتي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، أسقطت مخاوف من حدوث فراغ سياسي كبير في ظل توتر واسع في الشارع السوداني دفع في وقت مبكر عضو مجلس السيادة عائشة السعيد لتقديم استقالتها احتجاجاً على ما وصفته بتهميش المدنيين داخل المجلس. وصورة الحاضنة السياسية في السابق كأنما هي صورة تراهم فيها جميعاً وقلوبهم شتى حتى عندما استوت المركب ظهر من بينهم من يريد قيادتها، فكثرت القيادة ودب فيها الخلاف فكانت نهايتها أنها غرقت, وتلك شبيه بسفينة الحاضنة التي أبحرت قبل عامين الآن تشهد تصدعات كبيرة كان شوطها الأخير حرب بيانات بين المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير من جهة، وحزب الأمة القومي من جهة أخرى، بالتالي الخلافات ألقت بظلالها على مستقبل التحالف الحاكم ويرى البعض أن مستقبل قوى الحرية والتغيير لا يمكن أن يتكهن به أحد، وهنالك مصير مجهول وسيناريوهات عدة متوقعة إذا استمرت الخلافات على وتيرة متصاعدة.

جبهة واحدة

منذ وقت مبكر وصف الراحل والقيادي في الحزب الاتحادي الديموقراطي “الأصل” علي السيد استمرار العمل “كجبهة واحدة” في تحالف قوى الحرية والتغيير بأنه بات غاية في الصعوبة. وأوضح للجزيرة نت أن مكونات التحالف كانت تتفاوت في تعاملها مع خيار إسقاط النظام حيث كان يفكر بعضها في الوسيلة وما يلي تحقيق الهدف، في حين كان الحزب الشيوعي مؤمناً فقط بالإسقاط دون النظر إلى تبعات لاحقة مما قاد حالياً إلى أن يفارق الشيوعيون حلفاءهم في التغيير برفض الاتفاق.

ويبدي السيد قناعة بأن الإعلان الدستوري سيؤدي إلى “تفتيت” قوى الحرية والتغيير لوجود تفاصيل عميقة في الإعلان الدستوري وتزيد الخلافات. بالتالي الموقف الآن كل الأطراف المتصارعة تدافع عن نفسها حينما تبادلت الاتهامات بمحاولة إجهاض الفترة الانتقالية، كلا الاثنين يبرر خلافه على قناعته، ويرى المجلس من جانبه أن حزب الأمة يعمل على تعطيل الإصلاحات ووضع العراقيل أمام تشكيل المجلس التشريعي، لكن حزب الأمة من ناحيته وصف تلك المجموعة بأنها تمثل مجموعة صغيرة، مطالباً أجهزة الدولة بعدم اعتماد أي قرارات تصدر عنه.

إضعاف التحالف

ودافع المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير عن نفسه ورأى أن ما صدر عن المجموعة التي اجتمعت بدار حزب الأمة لا يساعد على عملية الإصلاح الجارية بل يعقد الموقف ويضاعف من تحديات الانتقال ويخدم الخط الرامي لإضعاف الحرية والتغيير وإجهاض الفترة الانتقالية. وفند نائب حزب الأمة إبراهيم الأمين تلك الاتهامات، نافياً تعطيل الحزب عملية تشكيل المجلس التشريعي متهماً قوى الحرية والتغيير بمحاولة إقامة مجلس ضيق التمثيل وغير قادر على أداء دوره بالشكل المطلوب. وشدد على أن حزب الأمة ظل ينادي بشكل متواصل بضرورة ترسيخ المؤسسية داخل قوى الحرية والتغيير التي أصبحت مجرد جسم “يبصم” على قرارات الحكومة ويهتم فقط بتوزيع المناصب – بحسب تعبيره. وأوضح الأمين لموقع “سكاي نيوز عربية” أن حزب الأمة لم يخرج من قوى الحرية والتغيير بل جمد نشاطه بسبب تحفظات واعتراضات على بعض الجوانب منها محدودية التمثيل. وأشار الأمين إلى “الضعف” الشديد الذي أصاب قوى الحرية والتغيير خلال الفترة الماضية وانسحاب عدد من الأجسام المكونة لها.

مصالح معطلة

ولكن نائب الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني وعضو المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير مواهب مجذوب قالت لموقع سكاي نيوز إن حزب الأمة عطل عملية إصلاح هياكل قوى الحرية والتغيير وتشكيل المجلس التشريعي من خلال تركيزه على مطالب بمنحه أعدادا أكبر في تشكيلة المجلس ومستويات الحكم الولائي. وفي ذات السياق، الناطق الرسمي باسم قوى الحرية والتغيير أمينة الشين أبدت استغرابها مما جاء في البيان. وقالت لنفس الموقع إن الحزب ورغم أنه كان جزءاً أصيلاً من تحالف قوى الحرية والتغيير وله ممثلون في الحكومة المركزية والولايات إلا أنه لم يوافق على عملية إعادة الهيكلة. واستبعدت الشين أن يتم الإعلان عن المجلس التشريعي خلال الأيام القليلة المقبلة- بحسب ما رشح في بعض الوسائط الإعلامية – بسبب عدم رفع بعض الولايات مرشحيها حتى الآن.

مخترقون وغواصات

ولخص المحلل السياسي بروفسير صلاح الدومة قضية الخلافات التي ضربت قوى الحرية والتغيير في وجود مخترقين داخل التحالف وحدد نسبتهم بـ(60%) وصفهم بالغواصات داخل التحالف وأنهم تابعون لجهاز الأمن، وقال لـ(الصيحة): تلك المجموعة فرضت نفسها كقيادات لقوى الحرية والتغيير فيما كانت المجموعة الأقل ثوريين تقل نسبتهم، وأضاف: تلك المجموعة الكبيرة داخل قوى التغيير باعت القضية بثمن بخس، ورأى أن حزب الأمة لديه استعداد لبيع القضية. وجزم بأن الصفوف الآن تمايزت، وكل من كان يدعي الثورية افتضح أمره بأنه يقوم بدور في مسرحية ظهرت الآن, وبأنه عميل تابع للإنقاذ والأمن، وقال إن كل الكيانات تعرف الآن من هو المندس والعميل ومن هم الثوريون بالتالي سيستمر الحراك في المناصحة وبيان الحقيقة وكشف بؤر المندسين حتى يظهر الله الحق رغم أن الثورات تأخذ وقتاً طويلاً، ولكن الحقيقة ستكون واضحة، وقال: في الآخر سوف يصفو الحق ودائماً الخيانة لا تمنع النصر ولكن تؤخره.

وخلص الدومة إلى ن مستقبل التحالف سيكون في وقوع صدام بين تيارين الأول وصفهم بالمندسين، وقال الآن الصفوف بدأت تتمايز وأن المندسين والغواصات بدأوا يجمعون صفوفهم فيما بدأ الثوار الحقيقيون في تجميع صفوفهم، وبالتالي لابد من وقوع صدام حقيقي بين الكتلتين تحدث فيه خسائر كبيرة ويظهر في ذلك الغواصات والمندسون والمتظاهرون بالثورية.

أزمة ثقة

ورجح مراقبون أن يكون ما يحدث داخل قوى الحرية والتغيير هو عملية صراع مناصب، وقال مصدر لـ(الصيحة): الراجح عندي أن حزب الأمة سيدفع بقياداته لمجلس السيادة والمجلس التشريعي، وأضاف: التحالف يعاني من أزمة ثقة منذ ميلاده وهو ما أدى إلى خروج مبكر لحزب الأمة وتجميد نشاطه بالتحالف، وقال: يبدو أن التحالف كان يحمل بذرة الخلاف ولا يربط بينه أي  رابط سوى الثورة، ولكن عندما نجحت وأصبح الأمر على توزيع الغنائم كانت الخلافات واضحة.

سكرات الموت

ويرى مصدر آخر أن سيناريو الأيام المقبلة ستتبين ملامحه في القريب العاجل. فإذا ما بدا أن قوى الحرية والتغيير ما زالت في سكرة اللهاث وراء المناصب وصراع النفوذ والمكاسب السياسية العاجلة بعيداً عن أي رؤية جديدة للتدبير وإعادة النظر والاستعداد للاعتراف بالأخطاء والسماع من الشعب والرجوع إليه، فإن ما سيترتب على ذلك سيكون خطيراً للأسف، فكل من الجبهة الثورية والعسكر ربما يتوجهون إلى سيناريوهات أخرى، وهي بكل تأكيد سيناريوهات ستستعين من وراء الكواليس بقوى موجودة في الساحة ولها خيوط خفية مع العسكر ومع قسم من الجبهة الثورية، وقال ربما نرى تحالفات جديدة تضخ مزيداً من التعقيد في الوضع إذا ما تحالفت قوى عسكرية مع أحزاب لديها استعداد للشراكة مع العسكر، وخطورة هذه السيناريوهات أنها ستجعل من قوة الثورة أكثر تشتتاً، فحتى لو تحرك الشعب باتجاه تصحيح مسار الثورة  فإن الشرخ الذي سيكون بينه وقوى الحرية والتغيير في هذه الحال، سوف لن يعين على إعادة الثقة بها من جديد وهذا أخطر سيناريو يمكن أن تصل إليه الأوضاع. فإن لقوى الحرية والتغيير فرصة أخيرة لإعادة تموضعها وتجديد ثقة الشعب فيها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى