الاعتذار عن المناصب.. التزام تنظيمي أم تكتيك سياسي؟

الخرطوم: صلاح مختار

قال إن (حركة العدل والمساواة رأت أن يتنازل عن الوزارة لشخص آخر في الحركة). وأضاف أن (الشخص يمكن أن يخدم البلاد من أي موقع، وقناعتي هي أن ثورة ديسمبر وضعت أسساً أخلاقية وقيمة للممارسة السياسية القائمة على تقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية).

تلك كلمات وضع بها القيادي بحركة العدل والمساواة د. معتصم أحمد صالح الذي عُين في موقع وزير التنمية الاجتماعية في الحكومة الجديدة، مرسياً أدباً جديداً في الحياة السياسية السودانية، وضرب مثلا في الممارسة السياسية المتجردة من الأنانية، والزهد في المواقع التنفيذية والترفّع عنها.

وكان رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، قد أعلن عن تشكيل الحكومة الجديدة، ولكن فور إعلان اسم د. معتصم وزيراً للتنمية أعلن الاعتذار عن تولي المنصب، ذلك الموقف فتح الباب أمام حقيقة ذلك الفعل، فهل هو سلوك جديد أم تكتيك سياسي؟

لم أرشّح نفسي

قال صالح، عبر صفحته على (فيسبوك): أنا لم أرشّح نفسي لوزارة التنمية الاجتماعية كما لم تتم استشارتي عند الترشيح، ولكن بعد تقديم اسمي بخطاب رسمي من الحركة بجانب الأخوين أحمد آدم بخيت وجبريل آدم بلال، طُلب مني تقديم سيرتي الذاتية كأحد المرشحين لوزارة التنمية الاجتماعية). وأضاف أنه “بناءً على ذلك تقدمت بسيرتي الذاتية إلى مجلس الوزراء عبر الحركة، وتم تقديم أسماء كل المرشحين وعُرضت على مجلس الشركاء وتمت إجازة الأسماء بواسطة المجلس وتم التأكيد في اجتماع المجلس بعدم قبول أية تغييرات للأسماء بواسطة التنظيمات منفردة إلا بعلم المجلس وموافقة رئيس الوزراء”.

وأكّد معتصم أنه “بناء على متطلبات وشروط وزارة التنمية الاجتماعية مقارنة بالسير الذاتية ومؤهلات المرشحين، قام رئيس الوزراء باختياري وزيراً اعتماداً على السيرة الذاتية وترشيحات الحركة”.

أسماء مرشحين

ورغم أن الحكومة لم تعلق على قرار الوزير المستقيل، إلا أنه تابع بالقول: “قبل يومين ولأسباب لم أطّلع عليها أرسلت الحركة خطاباً إلى مكتب رئيس الوزراء بسحب أسماء مرشحيها لوزارة التنمية الاجتماعية والإبقاء على أحمد آدم بخيت كمرشح للحركة. وأشار إلى أنه “تم رفض الخطاب لأن مجلس شركاء الفترة الانتقالية أقر بعدم اعتماد أي تغيير يأتي به التنظيم منفرداً إلا ضمن القائمة الرسمية الموقعة بواسطة الأطراف. وقال إن “وزارة التنمية الاجتماعية أصبحت من نصيب حركة العدل ولمساواة وبموجب اتفاق جوبا، يحق للحركة تغيير وزرائها وقتما شاءت، إذا تقدمت بالأسباب الموضوعية، وهذا الحق لا زال مكفولًا لها ولكل التنظيمات”, ويفتح تراجع الوزير الباب أمام أول خلاف للسلطة الجديدة في السودان.

تشريف وتكليف

أدب الاستقالة في الحياة السياسية من الأدبيات النادرة التي تقوم بها القيادات السودانية، بل قد يحدث العكس عندما يطلب من أي مسؤول أو مرشح استقالته يتوجه على الفور إلى الخانة التي تعرف بالمعارضة أو الضد اعتراضًا على عدم ترشيحه، أو سحب ترشيحه كأنما الوظيفة تشريف وليست تكليفاً، ولعل واحدة من النماذج التي لم تتقيد بها القيادات بتوجيهات الحزب ما أعلن عنه حزب الأمة القومي، رفضه المشاركة في مستويات حكم الولايات خلال الفترة السابقة، بسبب ما وصفه بـ(تجاوز المعايير). ووجه أعضاءه الذين تم تعيينهم كولاة بالاعتذار عن التكليف. واعتبر أن العملية الإجرائية، التي تم بها اختيار الولاة تمت بشكل (شلّلي). وقال الحزب إن (هناك أسماء ولاة تم تعيينهم، ولم يسمع بهم حزب الأمة إلا في الإذاعة).

الالتزام التنظيمي

ورغم الالتزام التنظيمي لقيادات الأمة، إلا أنهم ضربوا بتوجيهات الحزب عرض الحائط، ولم يذعنوا لموجهات الحزب في الاعتذار عن التكليف، بل باشروا مهامهم دون التقيد بأي التزام تنظيمي يمنعهم من تقلّد المناصب.

وقد استبعد مصدر مطلع وقريب من مجلس الوزراء في ذلك الوقت، أن تستجيب قيادات حزب “الأمة” الست، الذين جرى تعيينهم ولاة، لتوجيهات الحزب بعدم ممارسة مهامهم. وقال: (أستبعد أن يستجيب الحكام لنداء حزب الأمة بالانسحاب جميعاً، ربما اثنان فقط يستجيبان، لكن جميعهم يعلم أنهم أتوا إلى مناصبهم أي حكم الولايات، عبر قواعد حزب الأمة والحرية والتغيير، بل واجهوا معاكسات كبيرة من قيادة الحزب في الخرطوم للحصول على دعم ترشيحاتهم، كما يوجد تياران داخل الحزب أحدهما يريد الاستمرار في المشاركة والحكم، وتيار آخر لديه تصور مختلف يرقى لتهديد وجود الحكومة الانتقالية نفسها”. وتابع: “كنا على تواصل مع حزب الأمة بشكل مستمر لاختيار الولاة، ولكن حضر مندوبون رفيعون منهم، وسلموا قائمة من 9 أشخاص للولايات، وجدنا من بينهم 8 مرتبطين بالنظام القديم، لذا رفضناهم، كما حاولوا الالتفاف على قائمة الحرية والتغيير من قيادات حزبهم”.

حظوظ المرشحين

بعض الشخصيات أو القيادات ألمحت إلى الاعتذار عن مواقعهم بمجرد أنه علم بأنه مرشح لتلك الوزارة، غير أن البعض يرى أن توضيح أسباب الرفض في وسائل الإعلام أكبر دافع للتمسك به كمرشح، وبالتالي رغم حظوظه في تولي وزارة الاتصالات، إلا أن نجل القيادي الشيوعي الراحل عبد الخالق محجوب، المهندس عمر محجوب أكد، في تصريح صحافي عدم علمه بالجهة التي رشحته لوزارة الاتصالات وإن حدث ذلك فهو يعتذر موضحاً: “في الوقت الراهن هدفي هو التركيز على العمل مع جماهير قوى الثورة الحية لتحقيق واستكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة من حرية وسلام وعدالة ما استطعت”. وتابع “بحكم مجال عملي طوال ثلاثة وعشرين عاماً، فإن تخصصي وخبرتي هي إنشاء وإدارة وإصلاح شركات ومنظومات الاتصالات والتكنولوجيا. هذا هو المكان الذي أثق أنني أستطيع أن أقدم للشعب السوداني حقه في مجال الاتصالات والتكنولوجيا.

باب الرفض

في نفس الاتجاه كانت كل التكهنات تتجه إلى القيادي بالحركة الشعبية جناح عقار ياسر عرمان، أنه مرشح تارة لوزارة الخارجية ومرة أخرى لوزارة ديون الحكم المحلي، ولكن الرجل طبقاً لمصدر لـ(الصيحة) في كل مرة يعتذر عنها ويرى في نفسه أنه لا يستطيع تقديم خدمة في الوزارة التنفيذية، وإنما خبراته يمكن أن توظف في المجال التشريعي وهو أقرب إلى المجلس التشريعي المرتقب، ولذلك من الطبيعي ان يعتذر مسبقاً حتى يحين الوقت ويطيب له المقام في البرلمان الانتقالي القريب تشكيله.

من حيث المبدأ

وسبق أن اعتذر  رئيس الوزراء الحالي د. عبد الله حمدوك عن تكليفه بمنصب وزارة المالية والاقتصاد الوطني في حكومة البشير. ويرى البعض أنه لم يرفض المنصب من حيث المبدأ استناداً إلى مرارات الماضي البغيض، بل كتب رسالة لطيفة يعتذر فيها بسبب تضاؤل فرص النجاح، ويعد أن يكون في خدمة بلده متى تيسرت الظروف.  حيث قدم اعتذاره، عن قبول المهمة وجاء في رسالة اعتذاره استعداده التام لوضع كل خبراته في المجال الاقتصادي وخدمة الاقتصاد الوطني.

سلوك الاعتذار

ويرى المحلل والقانوني إبراهيم محمد، أن الشخصية السودانية عنيدة وتميل إلى التسلط وأقرب إلى الدكتاتورية ولا تقبل بالتراجع أو الاعتذار، بالتالي ثقافة الاعتذار لديها ضئيلة في الحياة السودانية ونادراً ما يلجأ السياسيون إلى ثقافة الاعتذار رغم أنه سلوك يدل على الوعي السياسي. وقال لـ(الصيحة)، إن اعتذار وزير الشئون الاجتماعية القيادي بحركة العدل والمساواة معتصم محمد صالح يرجع إلى تكوينه الإسلامي والتزامه التنظيمي، وأن ما قام به من سلوك هو انعكاس للحياة التنظيمية لحركة العدل والمساواة، نتمنى أن يسود بين القيادات, وأكد أن رفض المنصب تعبير عن التزام تنظيمي للشخص ولا ينتقص من شيء بل يدفعه إلى مواقع أخرى في المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى